هذا باب ما ينصرف من الأَمثلة وما لا ينصرف
تقول : كلُّ أفْعَلٍ يكون وصفا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة ، وكلُّ أفْعل
يكون اسمًا تصرفه في النكرة . قلت : فكيف تصرفه وقد قلتَ : لا تصرفُه .
قال لأنّ هذا مثالٌ يمثَّل به ، فزعمتُ أنَّ هذا المثال ما كان عليه من
الوصف لم يَجرِ ، فإن كان اسمًا وليس بوصف [ جرى ] .ونظير ذلك قولك : كلُّ أَفْعَلٍ أردتَ به الفعل نصبٌ أبدا ، فإنَّما
زعمت أنَّ هذا البناء يكون في الكلام على وجوه ، وكان أَفْعَلُ اسمًا ،
فكذلك منزلةُ أَفْعَلَ في المسألة الأولى ، ولو لم تصرفه ثَمَّ لَتركت أفْعَلَ
ههنا نصبًا ، فإنَّما أَفْعَلُ ههنا اسمٌ بمنزلة أَفْكَلٍ . ألا ترى أنَّك
تقول : إِذا كان هذا البناء وصفًا لم أَصرفه . وتقول : أفْعَلُ إِذا كان وصفا
لم أصرفه . فإنَّما تركتَ صرفه ههنا كما تركتَ صرف أَفْكَلٍ إِذا كان معرفةًً .وتقول : إذا قلتَ هذا رجلٌ أَفْعَلُ لم أصرفْه على حال ، وذلك لأنَّك
[ 3:204 ] مثَّلت به الوصف خاصَّةً ، فصار كقولك كلُّ أفْعَلَ زَيد نصبٌ أبداً ؛
لأنَّك مثَّلت به الفعل خاصَّة .
قلتُ : فلم لا يجوز أن تقول : كلُّ أَفْعَلَ في الكلام لا أَصرفُه إذا أردت
الذي مثَّلتَ به الوصف كما أقول : كلُّ آدَمَ في الكلام لا أَصرفُه؟
فقال : لا يجوز هذا ، لأنَّه لم يَستقرَّ أَفْعَلُ في الكلام صفةً بمنزلة آدَمَ ،
وإنَّما هو مثال . ألا ترى أنَّك لوسمَّيت رجلاً بأَفْعَلٍ صرفتَه في النكرة ؛ لأنَّ
[ قولك ] أَفْعَلٌ لا يوصف به شيء ، وإِنَّما يُمثَّل به . وإِنَّما تركتَ التنوين
فيه حين مثَّلت به الوصف ، كما نصبتَ أفْعَلاً حين مثّلتَ به الفعل . وأَفْعَلٌ
لا يُعْرَف في الكلام فعلا مستعمَلاً . فقولك : هذا رجلٌ أفْعلٌ بمنزلة قولك :
أَفْعَلَ زيدٌ ، فإذا لم تَذكر الموصوف صار بمنزلة أَفْعَلَ إِذا لم يَعمل في اسم
مظهَر ولا مضمَر .
قلتُ : فما مَنعه أن يقول : كلُّ أَفْعَلَ يكون صفةً لا أَصرفُه ، يريد
[ 3:205 ]
الذي مثّلتَ به الوصف . فقال : هذا بمنزلة الذي ذكرنا قبلُ ، لو جاز هذا
لكان أَفْعَلُ وصفا بائنا في الكلام غيرَ مثال ، ولم نكن نحتاج إلى أن
أقول : يكون صفة ولكني أقول : لأنَّه صفة ؛ كما أنَّك إذا قلت : لا تصرف
كلّ آدَمَ في الكلام قلتَ : لأنه صفة ، ولا تقول : أردت به الصفة ، فيَرَى
السائل أن آدَمَ يكون غير صفة [ لأن آدَمَ الصفة بعينها ] .
وكذلك إذا قلت : هذا رجلٌ فَعْلان [ يكون على وجهين ؛ لأنك
تقول : هذا إِن كان عليه وصفٌ له فَعْلَى لم ينصرف ، وإن لم يكن له فَعْلَى
انصرف . وليس فَعلان ] هنا بوصفٍ مستعمَل في الكلام له فَعْلَى ، ولكنه
هاهنا بمنزلة أفْعَلٍ في قولك : كلُّ أَفْعَلٍ كان صفةً فأمرُه كذا وكذا .
ومثله كلّ فَعْلانٍ كان صفة وكانت له فَعْلَى لم ينصرف . وقولك : كانت له
فَعْلَى وكان صفةً ، يدلُّك على أنه مثال .
وتقول : كلّ فَعْلَى أو فِعْلَى كانت ألفُها لغير التأنيث انصرف ، وإن كانت
الألف جاءت للتأنيث لم ينصرف ، قلت : كل فَعلَى أو فِعْلَى ، فلم يُنوَّن ؛ لأنّ
هذا الحرف مثال . فإن شئت أنثته وجعلت الألف للتأنيث ، وإن شئت
صرفتَ وجعلت الألف لغير التأنيث .
وتقول : إذا قلت : هذا رجلٌ فَعَنْلًى نوّنتَ لأنك مثّلت به وصف
[ 3:206 ]
المذكَّر خاصّةً ، وفَعَنْلًى مثل حَبَنْطًى ، ولا يكون إلاّ منوَّناً [ ألا ترى
أنّك تقول : هذا رجلٌ حَبنطًى يا هذا ] . فعلى هذا جرى هذا الباب .
وتقول : كلُّ فُعْلَى في الكلام لا ينصرف وكلُّ فَعْلاءَ في الكلام
لا ينصرف لأن هذا المثال لا ينصرف في الكلام [ البتة ] كما أنك لو قلت : هذا رجل
أفْعَلُ لم ينصرف ، لأنك مثَّلته بما لا ينصرف وهي الصفة ، فأَفْعَلُ صفة كفَعْلاءَ .