Previous | Ch. 1 | Ch. 285 | Search Txt | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A | Next

Hārūn Edition - Chapter 568

[Page 460] هذا باب الإدغام فى حروف طرف اللسان والثنايا

الطاء مع الدال كقولك : اضْبِدَّلَماً [1] ، لأنّهما مع موضعٍ واحد ،
وهى مثلُها فى الشدة ، إلاّ أنّك قد تدَعُ الإِطباق على حاله فلا تُذْهِبهُ ، لأنّ
الدال ليس فيها إطباق ، فإنّما تَغلب على الطاء لأنّها من موضعها ، ولأنها
حَصَرت الصَّوتَ من موضعها كما حصرته الدال . فأمَّا الإِطباق فليست منه فى
شَىء ، والمُطْبَقُ أفْشَى فى السَّمْع ، ورأوا إجحافاً أن تَغلب الدالُ على الإطباق
وليست كالطاء فى السمع . ومثل ذلك إدغامُهم النونَ فيما تدغم فيه بغُنَّة .
وبعضُ العرب يُذهب الإِطباق حتَّى يجعلَها كالدال سواءً ، أرادوا أن لا تخالفها
إذْ آثروا أن يَقلبوها دالاً ، كما أنّهم أدغموا النون بلا غُنّة .

وكذلك الطاء مع التاء . إلاّ أن إذهاب الإِطباق مع الدال أمثَلُ قليلا ،
لأنّ الدال كالطاء فى الجَهْر والتاء مهموسة . وكلٌّ عربىٌّ . وذلك :
اُنْقُتَّوْأماً [2] , تدغم .

41 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[GB] وتَصير الدالُ مع الطاء طاء ، وذلك : اُنْقُطّالِباً [3] . وكذلك التاء ، وهو
قولك : انعَطّالِباً [4] ، لأنّك لا تُجحف بهما فى الإِطباق ولا فى غيره .

، وكذلك التاء مع الدال ، والدال مع التاء ، لأنّه ليس بينهما إلاّ الهمسُ
والجهر ، ليس فى واحدٍ منهما إطباقٌ ولا استطالةٌ ولا تكرير .

ومما أُخلصَتْ فيه الطاء تاء سَماعاً من العرب قولهم : حُتُّهُم ، يريدون :
حُطْتُهُمْ .

[Page 461] والتاء والدال سواءٌ ، كلُّ واحدة منهما تدغم فى صاحبتها حتّى تَصير
التاءُ دالا والدال تاء ، لأنّهما من موضع واحد ، وهما شديدتان ليس بينهما شىء
إلاّ الجهر [1] والهمس ، وذلك قولك : انْعَدُّلاَماً [2] ، واُنْقُتِّلْكَ [3] فتُدغم .

ولو بيَّنتَ فقلت : اضْبِطْ دُلاماً ، واضْبِطْ تِلْكَ ، وانْقُدْ تِلْكَ ، وانْعَتْ
دُلاماً لَجاز . وهو [4] يَثقل التكلُّمُ به لشدَّتهن ، وللزوم اللسان موضعَهنَّ لا
يَتجافى عنه .

فإن قلتَ : أقول اصْحَبْ مَطَراً ، وهما شديدتان ، والبيانُ فيهما
أحسنُ ؟ فإنّما ذلك لاستعانة الميم بصوت الخياشيم ، فضارعت النونَ . ولو
أمسكتَ بأنْفك لرأيتها بمنزلة ما قبلها .

42 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وقصّةُ الصاد مع الزاى والسين ، كقصة الطاء والدال والتاء . وهى من
السين كالطاء من الدال ، لأنّها مهموسةٌ مثلها ، وليس يَفرق بينهما إلا الإطباقُ
وهى من الزاى كالطاء من التاء ، لأنَّ الزاى غير مهموسة ، وذلك قولك :
افْحَسَّالِماً [5] فتصير سيناً وتَدَعُ الإطباق على حاله . وإن شئتَ أذهبته .
وتقول : افحَزَّرَدَةَ [6] . وإن شئت أذهبتَ الإطباق . وإذهابُه مع السِّين أمثَلُ
قليلاً ، لأنَّها مهموسة مثلُها . وكلُّه عربىٌّ [7].

ويصيران مع الضاد صاداً كما صارت الدالُ والتاءُ مع الطاءِ طاءً . يدلُّك

[Page 462] التفسير . والبيانُ فيها أحسنُ ، لرَخاوتهنّ وتَجافِى اللسان عنهنّ ، وذلك
قولك : احْبِصَّابِراً ، وأوْجِصَّابِراً [1] . والزاىُ والسين بمنزلة التاء والدال ،
تقول : احْبِزَّرَدَةَ ، ورُسَّلَمَةَ [2] فتدغِم .

43 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وقصّةُ الطاءِ والذال والثاء كذلك أيضا ، وهى مع الذال كالطاء مع
الدال لأنَّها مجهورة ، مثلُها ، وليس يَفرق بينهما إلاّ الإطباقُ . وهى من الثاء
بمنزلة الطاء من التاء ، وذلك قولك : احْفَذَّلكَ [3] فتدغِم ، وتَدَعُ الإطباق .
وإن شئت أذهبته . وتقول : احْفَثَّابِتاً [4] . وإن شئت أذهبتَ الإطباق . وإذهابُه
مع الثاء كإذهابه من الطاء مع التاء .

وإن أدغمت الذال والثاء فيهما أنزلتهما منزلة الدال والتاء إذا أدغمتهما
فى الطاء ، وذلك قولك : خُظَّالماً وابْعَظَّالماً [5] .

والذالُ والثاءُ منزلةُ كلِّ واحدة منهما من صاحبتها منزلةُ الدال والتاء ،
وذلك قولك : خُثَّابِتاً وابْعَذَّلِكَ [6]
. والبيانُ فيهن أمثل منه فى الصاد والسين
والزاى لأنّ رَخاوتهنّ أشدُّ من رَخاوتهنّ ، لانحرافَ طَرَف اللسان إلى طَرَف
الثَّنايا ولم يكن له رَدٌّ . والإدغام فيهنَّ أكثر وأجودُ , لأنّ أصل الإدغام لحروف
اللسان والفم ، وأكثر حروف اللسان من طَرَف اللسان وما يخالط طَرَف
اللسان ، وهى أكثر من حروف الثَّنايا .

44 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

والطاءُ والدال والتاء يدغمن كلُّهنّ فى الصاد والزاى والسين ، لقرب

[Page 463] المخْرَجين لأنهنَّ من الثنايا وطَرفِ اللسان ، وليس بينهنّ فى الموضع إلا أنّ الطاء
وأُختيْها من أصل الثنايا ، وهنّ من أسفله قليلاً مما بين الثنايا . وذلك قولك :
ذَهَبَسَّلْمَى وقَسَّمِعَتْ [1] فتدغِم . واضْبِزَّرَدَةَ [2] ، فتدغِمَ . وانْعَصَّابِراً [3]
فتدغِم . وسمِعناهم ينشدون هذا البيت ، لابن مُقبِل [4] :

فكأنَّما اغْتَبَقَصَّبيرَ غَمامةٍ * بِعَراً تُصَفِّقُهُ الرِّياحُ زُلالاَ [5]

فأدغم التاء فى الصاد .

45 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[GB] وقرأ بعضهم : "لا يسَّمَّعون [6] " يريد : لاَ
يَتَسَمَّعون . والبيانُ عربىٌّ حسنٌ لاختلاف المُخْرَجين .

[Page 464] وكذلك الظاء والثاء والذال ، لأنهن من طَرَف اللسان وأطراف الثنايا ،
وهنّ أخواتٌ ، وهن من حَيِّز واحد ، والذى بينهما من الثَّنِيَّتينِ يسيرٌ . وذلك
قولك : ابعَسَّلَمَةَ ، واحْفَسَّلَمَةَ ، وخُصَّابِراً ، واحْفَزَّرَدَةَ [1] .

وسمعناهم يقولون , مُزّمانٌٍ [2] ، فيدغمون الذال فى الزاى .
ومُسَّاعةٌٍ [3] ، فيدغمونها فى السين . والبيان فيها أمثلُ لأنها أبْعَدُ من الصاد
وأُختيْها ، وهى رِخْوةٌ ، فهو فيهنّ أمثلُ منه فى الطاء وأُختَيها .

والظَّاءُ والثاء والذال أخواتُ الطاء والدال والتاءِ ، لا يمتنع بعضُهُنَّ من
بعض فى الإدغام ، لأنهنّ من حَيَّز واحد ، وليس بينهنّ إلا ما بين طَرَف الثَّنايا
وأصولها ، وذلك قولك : اهْبِظّالمَا وأبْعِذَّلِكَ [4] . وانْعثَّابِتاً ، واحْفطَّالِباً ،
وخُدَّاوُدَ ، وابْعَتَّلْكَ [5] . وحُجّتُه قولهم : ثَلاَتُّ دَراهِمَ ، تدغم الثاءَ من ثَلاَثَة
فى الهاء إذا صارت تاءً ، وثَلاتُّ أفلُس [6] ، فأدغموها . وقالوا : حَدّتُّهم ،
[ يريدون : حَدّثْتُهُم ] ، فجعلوها تاءً . والبيانُ فيه جيّد .

وأما الصاد والسين والزاى فلا تدغِمهنَ [7] فى هذه الحروف التى
أُدغمت فيهنّ ، لأنَّهنّ حروف الصفير ، وهنّ أنْدَى فى السمع [8] . وهؤلاء

[Page 465] الحروف إنما هى شديدٌ ورِخْوٌ ، لسن [1] فى السمع كهذه الحروف لخفائها .
ولو اعتَبرتَ ذلك وجدتَه كذا . فامتَنعت كما امْتنعت الراءُ أن تدغم فى اللام
والنون للتكرير .

46 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وقد تدغم الطاءُ والتاء والدال فى الضاد ، لأنها اتّصَلت بمُخْرَج اللام
وتَطَأْطَأَت عن اللام حتى خالطتْ أُصولَ ما اللامُ فوقَه من الأسنان ، ولم تقع
من الثّنيّة موضعَ الطاءِ لانحرافها ، لأنّكَ تَضع للطّاء لسانَك بين الثّنِيّتين ،
وهى مع ذا مُطبَقة ، فلما قاربت الطاءَ فيما ذكرتُ لك أدغموها فيها كما
أدغموها فى الصاد وأختيها ، فلما صارت بتلك المنزلة أدغموا فيها التاء والدال ،
كما أدْغموهما فى الصاد لأنهما من موضعها ، وذلك قولك : اضْبِضَّرَمَةَ ،
وانْعَضَّرَمَةَ [2] .

وسمعنا من يوثَق بعربيّته قال :

* ثار فضَجّضَّجّةً رَكائِبُهْ [3] *

فأدغم التاء فى الضاد .

47 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وكذلك الظاءُ والذال والثاء ، لأنهن من حروف طَرَف اللسان
والثّنايا ، يدغمن فى الطاء وأخواتها ، ويدغمن أيضاً جميعاً فى الصاد والسين
والزاى ، وهنّ من حَيّزٍ واحد ، وهنّ بعدُ فى الإطباق والرّخاوة كالضاد ،
فصارت بمنزلة حروف الثنايا . وذلك : احْفَضَّرَمَةَ ، وخُضَّرَمَةَ , وابْعَضَّرَمَةَ [4] .

48 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[Page 466] ولا تدغم فى الصاد والسين والزاى لاستطالتها ، يعنى الضاد , كما
امتَنَعت الشِّين . ولا تُدغَم الصاد وأختاها فيها لما ذكرت [ لك ] [1] فكلُّ
واحدةٍ منهما لها حاجز . ويكرهون أن يدغموها ، يعنى الضاد ، فيما أدغم فيها
من هذه الحروف ، كما كرهوا الشين . والبيانُ عربىٌّ جيِّد ، لبعد الموضعين ,
فهو فيه أقوى منه فيما مضى من حروف الثنايا .

49 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وتدغم الطاء والدال والتاء فى الشين ، لاستطالتها حين اتَّصلت
بمُخرجها ، وذلك قولك : اضْبشَّبَثاً ، وانْعَشَّبَثاً ، وانْقُشَّبَثاً [2] .

والإدغام فى الضاد أقوى لأنَّها قد خالطت باستطالتها الثَّنِيَّةَ ، وهى مع
ذا مُطبقَة ، ولم تَجافَ عن الموضع الذى قربت فيه من الطاء تَجافِيهَا . وما
يُحتجُّ به فى هذا قولهم : عاوِشَّنْباءَ [3] ، فأدغَموها .

وتدغم الظاء والذال والثاء فيها ، لأنَّهم قد أنزلوها منزلة الضاد ، وذلك
قولك : احْفَشَّنْباءَ ، وابْعَشَّنْباءَ ، وخُشَّنْباءَ [4] . والبيانُ عربىّ جيّد . وهو
أجودُ منه فى الضَّاد لبعد المُخرجين ، وأنه ليس فيها إطباقٌ ولا ما ذكرت لك فى
الضاد .

50 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

واعلم أن جميع ما أدغمتَه وهو ساكنٌ يجوز لكَ فيه الإدغام إذا كان
متحرِّكا ، كما تفعل ذلك فى المِثْلين . وحاله فيما يحسن ويقبح فيه الإدغام وما
يكون فيه أحسنَ وما يكون خَفِيّاً ، وهو بزنته متحركا قبل أن يُخْفَى ، كحال
المثْلين .

[Page 467] وإذا كانت هذه الحروفُ المتقاربة فى حرفٍ واحد ولم يكن الحرفان
منفصلين ازدادا ثِقَلاً واعتلالا ، كما كان المثْلان إذْ لم يكونا منفصلين أثقلَ ، لأنَّ
الحرف لا يفارقه ما يستثقلون . فمن ذلك قولهم فى مُثْتَرِدٍ : مُثَّرِدٌ [1] لأنَّهما
متقاربان مهموسان . والبيانُ حسنٌ . وبعضهم يقول : مُثْتَرِدٌ , وهى عربية
جيِّدة . والقياس مُتَّرِدٌ , لأن أصل الإِدغام أن يدغم الأوَّل فى الآخِر .

51 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وقالوا فى مُفْتَعِلٍ من صَبَرْتُ : مُصْطَبِرٌ ، أرادوا التخفيف حين تقاربا
ولم يكن بينهما إلاّ ما ذكرت لك ، يعنى قُرب الحرف ، وصارا فى حرفٍ
واحد . ولم يجز إدخالُ الصاد فيها لما ذكرنا من المنفصلين ، فأبدلوا مكاها أشبهَ
الحروف بالصاد وهى الطاء , ليستعملوا ألسنَتَهم فى ضربٍ واحد من
الحروف ، وليكونَ عَمَلُهم من وجهٍ واحد إذْ لم يصلوا إلى الإدغام .

وأراد بعضهم الإدغام حيث اجتمعت الصاد والطاء [2] ، فلما
امتَنعت الصاد أن تدخل فى الطاء قلبوا الطاء صادا فقالوا : مُصَّبِرٌ .

وحدثنا هارون أنَّ بعضهم قرأ : "فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهما أنْ يَصَّلِحَا بينهُما
صُلحاً "[3] .

52 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

والزاى تُبدل لها مكانَ التاءِ دالاً ، وذلك قولهم : مُزْدانٌ فى مُزْتان ، لأنَّه

[Page 468] ليس شىء أشبهُ بالزاى من موضعها من الدال ، وهى مجهورة مثلها , وليست
مُطبَقة كما أنَّها ليست مُطبَقة . ومن قال مُصَّبِرٌ قال مُزَّانٌ .

وتقول فى مُسْتَمِع : مُسَّمِعٌ فتدغم , لأنَّهما مهموسان ولا سبيل إلى أن
تدغم السين فى التاء ، فإن أدغمت قلت مُسَّمعٌ كما قلت مُصَّبِرٌ ، حيث لم يجز
إدخال الصاد فى الطاء .

وقال ناسٌ كثير : مُثَّردٌ فى مُثْتَرِدٌ ، إذ كانا من حَيِّزٍ واحد ، [ وفى حرف
واحد ] . وقالوا فى اضْطَجَرَ : اضَّجَرَ ، كقولهم : مُصَّبِرٌ .

وكذلك الظاء لأنَّهما إذا كانا منفصلين ، يعنى الظاء وبعدها التاء ، جاز
البيان ، ويُترك الإطباق على حاله إنْ أدغمت ، فلما صارا فى حرفٍ واحد
ازدادَا ثقَلا ، إذ كانا يستثقلان منفصلين ، فألزمُوها [1] ما ألزموا الصاد والتاء ،
فأبدلوا مكانها أشبهَ الحروف بالظاء وهى الطاءُ ، ليكون العملُ من وجه
واحد ، كما قالوا : قاعدٌ ومغَالِقُ فلم يميلوا الألف ، وكان ذلك أخفّ عليهم ،
وليكون الإدغام فى حرفٍ مثله إذْ لم يجز البيان والإطباق حيث كانا فى حرف
واحد ، فكأنَّهم كرهوا أن يجحفوا به حيث مُنع هذا . وذلك قولهم : مُظْطَعِنٌ
ومُظْطلم ، وإن شئت قلت مُطَّعِنٌ ومُطَّلِم ، كما قال زهير [2] :

هذا الجواد الذى يعطيك نائلُه * عفواً ويُظْلَمُ أحْياناً فَيَطَّلِمُ [3]

[Page 469] وكما قالوا : يَطَّنُّ [1] ويَظْطَنُّ من الظِّنَّة .

53 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[GB] ومن قال مُتَّرِدٌ [2] ومُصَّبِرٌ قال : مُطَّعِنٌ ومُطَّلِمٌ ، وأقيسُهما مُطَّعِنٌ
ومُطَّلِمٌ ، لأن الأصل فى الإِدغام أن يتبع الأول الآخر . ألا ترى أنَّك لو قلت
من المنفصلين بالإِدغام نحو : ذُهِبَ به وبُيّنَ له ، فأسكنت الآخر ، لم يكن
إِدغامٌ حتى تسكن الأوَّل . فلما كان كذلك جعلوا الآخر يَتبعه الأوَّلُ ، ولم
يجعلوا الأصل أن ينقلب الآخرُ فتجعله من موضع الأوَّل .

54 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وكذلك تُبدل للذال من مكان التاء أشبه الحروف بها , لانّهما إذا
كانتا [3] فى حرف واحد لزم أن لا يُبيَّنا إذْ كانا يدغمان منفصلين ، فكرهوا هذا
الإجحاف ، وليكون الإدغام فى حرفٍ مثله فى الجهر . وذلك قولك مُدّكرٌ ،
كقولك مُطَّلمٌ ، ومن قال مُظَّعِنٌ قال مُذَّكر . وقد سمعناهم يقولون ذلك .
والأخرى فى القرآن [4] ، فى قوله : "فَهَلْ مِنْ مُدَّكرٍ "[5] . وإنما منعهم من أن

[Page 470] يقولوا مُذْدَكِرٌ كما قالوا مُزدانٌ : أنَّ كلَّ واحد منهما يدغم فى صاحبه فى
الانفصال ، فلم يجز فى الحرف الواحد إلاَّ الإِدغام . والزاى لا تدغم فيها على
حالٍ فلم يشبَّهوها بها .

55 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

والضاد فى ذلك بمنزلة الصاد لما ذكرت لك من استطالتها ، كالشين ،
وذلك قولك : مُضْطجِع ، وإن شئت قلت : مُضّجِعٌ . وقد قال بعضهمْ :
مُطَّجِعٌ حيث كانت مُطبقة ولم تكن فى السمع كالضاد ، وقُربت منها وصارت
فى كلمة واحدة . فلما اجتمعت هذه الأشياءُ وكان وقوعها معها فى الكلمة
الواحدة أكْثرَ من وقوعها معها فى الانفصال ، اعتقدوا ذلك [1] وأدغموها ،
وصارت كلام المعرفةِ ، حيث ألزموها الإدغام فيما لا تدغم فيه فى الانفصال إلاّ
ضعيفا. ولا يدغمونها فى الطاء لأنّها لم تكثر معها فى الكلمة الواحدة ككثرة
لامِ المعرفة مع تلك الحروف .

وإذا كانت الطاء معها ، يُعنى مع التاء ، فهو أجدرُ أن تقلب التاء طاء ،
ولا تُدْغم الطاء فى التاء فتُخلَّ بالحرف [2] لأنَّهما فى الانفصال أثقلُ من جميع
ما ذكرناه . ولم يدغموها فى التاء لأنّهم لم يريدوا إلا أن يبقى الإِطباق ، إذ كان
يذهب فى الانفصال ، فكرهوا أن يلزموه ذلك فى حرف ليس [3] من حروف
الإِطباق . وذلك قولك : اطّعَنوا .

56 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[GB] وكذلك الدال ، وذلك قولك [4]: ادَّانُوا من الدَّيْن ، لأنَّه قد يجوز فيه
البيانُ فى الانفصال عَلَى ما ذكرنا من الثِّقَل ، وهو بعدُ حرفٌ مجهورٌ ، فلما

[Page 471] صار ههنا لم يكنله سبيل إلى أن يفرَدَ من التاء كما يفردُ فى الانفصال ، فيكون
بعد الدال غيرُها ، كما كرهوا أن يكون بعد الطاء غير الطاء من الحروف ،
فكرهوا أن يَذهب جهرُ الدال كما كرهوا ذلك فى الذال .

وقد شبّه بعض العرب ممن تُرضَى عَرَبيّتُهُ هذه الحروفَ الأربعةَ الصاد
والضاد ، والطاء والظاء ، فى فَعَلْتُ بهنّ فى افْتَعَلَ ، لأنه يُبْنَى الفعلُ عَلَى التاء ،
ويُغيّر الفعلُ فتُسكِنُ اللامَ كما أُسكن الفاء [1] فى افْتَعَلَ ، ولم تترك الفعلَ على
حالهِ فى الإِظهار ، فضارعت عندهم افْتَعَلَ . وذلك قولهم : فحَصْطُ برجْلىِ ،
وحِطْطُ عنه [2] ، وخَبَطّه ، وحَفِطُّه ، يريدون : حِصْتُ عنه ، وخَبطْتُه ،
وحفِطْتُه .

وسمعناهم يُنشدون هذا البيت ، لعلقمة بن عَبَدة [3] :

وفى كلِّ حَىِّ قد خَبَطَّ بنعمَةٍ * فحُقَّ لِشَأشٍ مِنْ نَداكَ ذَنوبُ [4]

57 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[Page 472] [GB] واعرب [1] اللغتين وأجودُهما [2] أن لا تَقلبها طاء ، لأنَّ هذه التاء علامةُ
الإِضمار ، وإنّما تجىء لمعنىً .

وليست تَلزم هذه التاء الفعلَ . ألا ترى أنّك إذا أضمرتَ غائباً قلت
فَعَلَ فلم تكن فيه تاءٌ ، وليست فى الإِظهار . فإنَّمَا تَصَرَّفُ فَعَلَ على هذه
المعانى وليست تَثبت على حالٍ واحدَةٍ . وهى فى افْتَعَلَ لم تدخل على أنَّها تخرج
منه لمعنىً ثم تعود لآخَرَ ، ولكنه بناءٌ دخلَتْه زيادةٌ لا تفارقه . وتاء الإِضمار
بمنزلة المنفصل .

وقال بعضهم : عُدُّهُ ، يريد : عُدْتُه ، شبَّهها بها فى ادّان ، كما شبّهَ الصاد
وأخواتها بهنَّ فى افْتَعَلَ . وقالوا : نَقَدُّهُ ، يريدون : نَقَدْتُه .

واعلم أنّ ترك البيان هنا [3] أقوى منه فى المنفصلَين ، لأنّه مضارع ،
يعنى ما يُبْنَى مع الكلمة فى نحو افْتَعَلَ . فأنْ تقول : احْفَظْ تِلك ، وخُذْ تِلك ،
وابْعَثْ تِلك ، فتبيِّنَ - أحسنَ من حَفِظْتُ وأخَذْتُ وبَعَثْتُ ، وإنْ كان هذا
حسناً عربياً .

وحدّثنا من لا نَتَّهم أنّه سمعهم يقولون : أخَذْتُ ، فيبيّنون .

58 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

فإذا كانت التاءُ متحرِّكة وهذه الحروفُ ساكنةً بعدها لم يكن إدغام ,
لأنَّ أصل الإِدغام أن يكون الأوَّل ساكناً ، لما ذكرت لك من المنفصلَين ، نحو :
بُيِّنَ لَهُم وذُهِبَ به .

فإن قلت : ألاّ قالوا : بُيَّنَّهُم ، فجعلوا الآخر نونا ؟ فإنّهم لو فعلوا ذلك

[Page 473] صارَ الآخِر [ هو الساكن ، فلما كان الأوّل هو الساكن على كلِّ حال كان
الآخر ] أقوى عليه . وذلك قولك : اسْتُطْعِمَ واسْتُضْعِفَ ، واسْتَدْرَكَ
واسْتَثْبَتَ . ولا ينبغى أن يكون إلاّ كذا ، إذْ كان المِثْلان لا إدغام فيهما فى
فَعَلْتُ وفَعَلْنَ نحو رَددتُ ورَدَدْنَ ، لأنَّ اللام لا يصل إليها التحريك هنا ، فهذا
يتحرك فى فَعَلَ ويَفْعَلُ ونحوِه ، وهو تضعيف لا يفارق هذا اللفظ ، والتاء هنا
بين ساكنين فى بناءٍ لا يتحرك واحدٌ منهما فيه ، فى فعْلٍ ولا اسم ، ولا يفارق
هذا اللفظ .

59 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

ودعاهم سكونُ الآخِر فى المِثْلين أن بَيَّنَ أهلُ الحجاز فى الجزم فقالوا :
ارْدُدْ ولا تَرْدُدْ . وهى اللغة العربيَّةُ القديمة الجيّدة . ولكنَّ بنى تميم أدغموا ولم
يشبِّهوها بِرَدَدتُّ ، لأنّه يدركها التثنيةُ ، والنون الخفيفة والثقيلة ، والألف
واللام [ وألف الوصل ] ، فتُحَرّك لهنَّ .

فإذا كان هذا فى المِثْلين لم يجزْ فى المتقاربين إلاّ البيان نحو : تِدْ ، ولا تتِدْ
إذا نهيت . فلهذا الذى ذكرت لك لم يجز فى اسْتَفْعَلَ الإِدغام .

ولا يدغمونها فى اسْتَدارَ واسْتَطارَ واسْتَضاءَ ، كراهيةً لتحريك هذه
السين التى لا تقع إلا ساكنة أبداً ، ولا نعلم لها موضعاً تُحرّك فيه . ومع ذلك
أنَّ بعدها حرفاً أصلُه السُّكون فَحُرِّك [1] لعلَّةٍ أدركته ، فكانوا خُلقاء أنْ لو لم
يكن إلاّ هذا ألاَّ يَحْمِلُوا على الحرف فى أصله أكثَر من هذا ، فقد اجتمع فيه
الأمران .

60 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[GB] فأمَّا [2] اخْتَصمُوا واقْتَتَلُوا فليستا كذلك ، لأنَّهما حرفان وقعا

[Page 474] متحرِّكين والتحرُّك أصلُهما ، كما أنّ التَّحرُّك [1] الأصلُ فى مُمِدّ . والساكنُ
الذى قبله قد يتحرّك فى هذا اللفظ كما تحرّكُ فاءُ فَعَلْتُ نحو مَدَدتُّ ، لأنّك قد
تقول : مُدَّ ، وقُلْ ونحو ذلك .

61 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

وقالوا : وتَدَ يَتِدُ ، ووَطَدَ يَطِدُ ، فلا يدغمون كراهية أن يلتبس
بِباب [2] مَدَدتُّ ، لأنَّ هذه التاءَ والطاء قد يكون فى موضعها الحرف الذى
هو مثل ما بعده ، وذلك نحو وَدِدْتُ وبَلِلْتُ . ومع هذا أنَّك لو قلت وَدَّ لكان
ينبغى أن تقول يَدُّ فى يَتِدُ [ فيخفَّف به ] ، فيجتمعَ الحذف والإِدغام مع
الالتباس . ولم يكونوا ليُظهروا الواو فتكون فيها كسرة وقبلها ياءٌ ، وقد
حذفوها والكسرةُ بعدها. ومن ثَمَّ عَزَّ فى الكلام أن يجىء مثلُ رَدَدتُّ وموضع
الفاء واو .

وأما اصَّبرُوا واظَّلمُوا ويَخَصِّمُون ومُضَّجِعٌ وأشباهُ هذا ، فقد علموا
أنَّ هذا البناء لا تُضاعَف فيه الصادُ والضاد والطاء والدال . فهذه الأشياءُ ليس
فيها التباسٌ .

وقالوا : مَحْتِدٌ ، فلم يدغموا ، لأنّه قد يكون فى موضع التاءِ دالٌ .

وأما المصدر فإنهم يقولون التِّدَةُ والطِّدَةُ ، وكرهوا وَطْداً ووَتْداً ، لما فيه
من الاستثقال . فإن قيل [3] بُيِّنَ , كراهيةَ الالتباس . وإن شئت أبقيتَ فى الطاء
الإِطباق وأدغمت ، لأنه إذا بقى الإِطباق لم يكن التباس [4] [ من الأول ] .

ومما يدغم إذا كان الحرفان من مُخْرَج واحد ، وإذا تَقاربَ المُخْرَجان
قولهم : يَطَّوَّعُون فى يَتَطَوَّعُون ، ويَذّكّرُون فى يَتَذّكرون ، ويسَّمّعون فى
يتسَمَّعون . والإِدغام فى هذا أقوى ، إذْ كانَ يكون فى الانفصال . والبيانُ فيهما

[Page 475] عربىٌّ حسن لأنهما متحرّكان ، كما حسُن ذلك فى يَخْتَصِمُونَ ويَهْتَدُون .
وتصديق الإِدغام قوله تعالى : "يَطَّيّرُوا بموسى [1] ، و"يَذَّكّرُون "[2] .

62 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

فإنْ وقع حَرفٌ مع ما هو من مُخْرَجه أو قريبٌ من مُخرجه مبتدأ أُدغم
وألحقوا الألف الخفيفة ، لأنهم لا يستطيعونَ أن يبتدئوا بساكن . وذلك قولهم
فى فَعَلَ من تَطَوَّعَ : اطَّوّعَ ، ومن تَذَكَّرَ : اذّكّرَ ، دعاهم إلى إِدغامه أنهما فى
حرفٍ وقد كان يقع الإِدْغام فيهما فى الانفصال .

ودعاهم إلى إلحاق الألف فى اذّكّرُوا واطّوّعُواما دعاهم إلى إسقاطها
حين حرّكوا الخاء فى خَطَّفَ ، والقافَ فى قِتَّلُوا . فالألف هنا ، يعنى فى
اخْتَطَفَ ، لازمةٌ ما لم يعتلّ الحرفُ ، كما تَدخل ثَمّةَ إذا اعتلّ الحرفُ .

وتصديقُ ذلك قوله عز وجل : "فادّارَأْتُمْ فيها "[3] يريد : " فتَدَارَأْتُمْ " .
"وازَّيّنتْ " [4] إنما " هى تَزَيّنَتْ . وتقول فى المصدر : ازَّيُّناً وادّارُأً . ومن ذلك
قوله عز وجل : "اطّيَّرْنا بك "[5] .

وينبغى على هذا أن تقول فى تَتَرّسَ : اتّرّسَ . فإن بيّنتَ فَحُسْنُ البيان
كحُسْنِهِ فيما قبله .

63 Top | Derenb. | Bulaq | Jahn | MS A

[Page 476] فإن التَقتِ التاءان فى تَتَكَلَّمُون وتَتَتَرَّسُونَ ، فأنت بالخيار ، إن شئت
أثبتّهما ، وإن شئت حذفتَ إحداهما . وتصديقُ ذلك قوله عز وجل : " تَتَنَزّلُ
عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ "[1] ، و"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عن المضاجع "[2] .

وإن شئت حذفتَ التاء الثانية . وتصديقُ ذلك قوله تبارك وتعالى :
" تَنَزَّلُ المَْلاَئِكَةُ والرُّوحُ فيها "[3] ، وقوله : "وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ
المْوْتَ "[4] . وكانت الثانيةُ أَولى بالحذف لأنها هى التى تَسكن وتدغفى قوله
تعالى : "فادَّارَأْتُمْ" و"ازّيّنَتْ "[5] وهى التى يُفْعَل بها ذلك فى يَذّكّرُون .
فكما اعتلّت هنا كذلك تحذف هناك .

وهذه التاء لا تعتلّ فى تَدْأَلُ إذا حذفتالهمزة فقلت تَدَلُ ، ولا فى
تَدَعُ , لأنّه يفسدُ الحرفُ ويلتبس لو حُذفت واحدةٌ منهما .

ولا يسكنون هذه التاء فى تَتَكَلَّمُونَ ونحوها ويُلحقون ألفَ الوصل ،
لأنَّ الألف إنَّما لحقت فاختُصّ بها ما كان فى معنى فَعَلَ وافْعَلْ فى الأمر . فأمَّا
الأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين فإنَّها لا تَلحقها كما لا تَلحق أسماءَ الفاعلين ،
فأرادوا أنْ يخلِّصوه من فَعَلَ وافْعَلْ .

[Page 477] وإن شئت قلت فى تَتَذَكَّرُونَ ونحوها : تَذَكَّرُونَ ، كما قلت :
تَكَلَّمُونَ ، وهى قراءة أهلِ الكوفة فيما بَلَغنا . ولا يجوز حذف واحدةٍ منهما ،
يُعنَى من التاء والذال فى تَذَكَّرُونَ ، لأنه حُذف منها حرفٌ قبل ذلك وهو
التاء ، وكرهوا أن يحذفوا آخرَ ، لأنه كُره الالتباس وحذف حرفِ جاء لمعنى
المخاطبة والتأنيث . ولم تكن لتحذف الذال . وهى من نفس الحرف فتُفْسِدَ
الحرف وتُخِلَّ به ، ولم يروا ذلك مُحتمَلاً إذَا كان البيان عربيًّا [1] .

وكذلك أنزلت التاء التى جاءت للإِخبار عن مؤنَّث ، والمخاطبةِ .

وأما الذِّكَرُ فإنهم كانوا يَقلبونها فى مُدَّكِرٍ وشِبْهِه ، فقلبوها هنا ، وقلبُها
شاذٌّ شبيهٌ بالغَلَط .

Previous chapter | Next chapter