Down to Chapters 285-302 | Down to Chapters 565-571

Search Text Chapters 1-7

NB All available chapters can be searched from here

Unformatted version of Derenbourg, showing (Chapter), Page and [Line] numbers as links in blue.

Clicking on a (Chapter) takes you to the Base Text at that Chapter.

Clicking on a [Line] or Page takes you to that line or page in Derenbourg (vol. 1), as this will make it easier to locate a specific item.

Clicking on the Golden Book icon takes you to the corresponding Reference Bar in the Base Text. This icon is not supplied at Chapter Headings, which are already linked to the Base Text by their Chapter numbers.

NB There are no return links to this document: use the Back Button

(Ch. 1) هذا بابُ عِلْمِ ما الكَلِمُ من العربية * فالكَلِم اسمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ جاءَ لمعنى ليس باسم ولا فعل فالاسمُ رجلٌ وفرسٌ وحائطٌ اما الفعل فامثلةٌ أُخذتْ من لفظ أَحداث الاسماء وبُنيتْ لما مضى ولما يكون ولم يقع وما هو كائن لم يَنقطع فاما بناء ما مضى فذَهَبَ وسَمِعَ ومَكُثَ وحُمِدَ واما بناء ما لم يقع فانه قولك آمِرًا اذهَبْ واقتُلْ واضرِبْ ومخبِرا [5] يَقْتُلُ ويَذهَبُ ويَضرِبُ ويُقْتَلُ ويُضرَبُ وكذلك بناء ما لم يَنقطع وهو كائن اذا أَخبرتَ فهذه الامثلة التى أُخذت من لفظ أَحداث الاسماء ولها ابنية كثيرة ستبيَّن ان شاء الله والأَحداث نحو الضَرْبِ والقَتْل والحَمْد واما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل فنحو ثُمَّ وسَوْفَ وواو القسم ولام الاضافة ونحو هذا

(Ch. 2) هذا باب مَجارى اواخر الكلم من العربية * وهى تجرى على ثمانية مَجارٍ على النصب
[10] والجرّ والرفع والجزم والفتح والكسر والضمّ والوقف وهذه المجارى الثمانيةُ يَجمعهنّ فى اللفظ اربعةُ اضرب فالنصبُ والفتح فى اللفظ ضربٌ واحد والجرّ والكسر ضرب واحد وكذلك الرفع والضمّ والجزم والوقف وانما ذكرتُ لك ثمانية مجارٍ لأَفرق بين ما يَدخله (Page 2) ضربٌ من هذه الاربعة لما يُحدِثُ فيها العاملُ وليس شىءٌ منها إلّا وهو يزول عنه وبين ما يُبنَى عليه الحرفُ بناءً لا يزول لغير شىء أَحدثَ ذلك فيه من العوامل التى لكلّ عامل منها ضربٌ من اللفظ فى الحرف وذلك الحرفُ حرف الإعراب 1 فالنصب والجرّ والرفع والجزم لحروفِ الإعراب وحروفُ الإعراب للاسماء المتمكّنة وللأفعال المضارِعة لاسماء الفاعلين [5] التى فى اوائلها الزوائدُ الاربع الهمزة والتاء والياء والنون وذلك قولك أَفْعَلُ انا وتَفعل انتَ او هى ويَفعل هو ونَفعل نحن فالنصب فى الاسماء رأيت زيدًا والجرّ مررت بزيدٍ والرفع هذا زيدٌ وليس فى الاسماء جزم لتمكّنها وللَحاق التنوين فاذا ذهب التنوين لم يَجمعوا على الاسم ذهابَه وذهاب الحركة والنصب فى المضارع من الافعال لن يَفعلَ والرفع سيَفعلُ والجزم لم يَفعلْ وليس فى الافعال المضارعة جرٌّ كما انه ليس فى الاسماء جزم لان المجرور [10] داخل فى المضاف اليه معاقِبٌ للتنوين وليس ذلك فى هذه الافعال وانما ضارعتْ أسماءَ الفاعلينَ أنّك تقول إنّ عبد الله لَيفعلُ فيوافِقُ قولَك لَفاعلٌ حتى كانّك قلت ان زيدا لفاعلٌ فيما تريد من المعنى وتَلحقه هذه اللامُ كما لحقت الاسمَ ولا تَلحق فَعَلَ اللامُ وتقول سيفعلُ ذلك وسوفَ يفعل ذاك فتُلحِقُها هذينِ الحرفينِ لمعنى كما تَلحق الالفُ واللام الاسماءَ للمعرفة 2 ويُبين لك انها ليست باسماء انك لو وضعتها مواضعَ الاسماء لم [15] يجز ذلك الا ترى انك لو قلت إنَّ يَضْرِبَ يأتينا واشباه هذا لم يكن كلاما الا انها ضارعت الفاعِل لاجتماعهما فى المعنى وسترى ذلك فى موضعه ولدخول اللام قال الله تع وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ اى لحاكم ولما لحقها من السين وسوف كما لحقت الالفُ واللام الاسمَ للمعرفة واما الفتح والكسر والضم والوقف فللاسماء غير المتمكنة المضارِعة عندهم ما ليس باسم ولا فعل مما جاء لمعنًى ليس غيرُ نحو سَوْفَ وقَدْ وللأَفعال التى لم تَجر [20] مجرى المضارعة وللحروف التى ليست بأسماء ولا أفعال ولم تجئ الا لمعنى فالفتح فى الاسماء قولهم حيثَ وكيفَ واينَ والكسر فيها نحو أولاءِ وحَذارِ وبَدادِ والضمّ نحو حيثُ وقبلُ وبعدُ والوقف نحو مَنْ وكمْ وقطْ واذْ 3 والفتح فى الافعال التى لم تَجر مجرى المضارعة قولهم ضرَبَ وكذلك كل بناء من الفعل كان معناه فَعَلَ ولم يُسكِّنوا آخِرَ فَعَلَ لان فيها بعض ما فى المضارعة تقول هذا رجلٌ ضَرَبَنا فتَصف بها النكرة وتكون فى موضع ضارِبٍ اذا (Page 3) قلت هذا رجلٌ ضارب وتقول إن فَعَلَ فَعلتُ فيكون فى معنى إن يَفْعَلْ افعل فهى فِعْلٌ كما ان المضارع فِعْلٌ وقد وقعتْ موقعها فى إنْ ووقعت موقع الاسماء فى الوصف كما تقع المضارعة فى الوصف فلم يسكِّنوها كما لم يسكِّنوا من الاسماء ما ضارع المتمكّن ولا ما صُيِّرَ من المتمكّن فى موضع بمنزلة غير المتمكّن فالمضارع مِنْ عَلُ حرّكوه لانهم قد يقولون [5] من عَل ٍ فيجرّونه واما المتمكن الذى جُعل بمنزلة غير المتمكن فى موضع فقولك اِبْدَأْ بهذا اوّلُ ويا حَكَمُ والوقف قولهم اِضربْه فى الامر لم يحرِّكوها لانها لا يوصَف بها ولا تقع موقع المضارعة فبعُدتْ من المضارعة بُعْدَ كم واذ من المتمكنة وكذلك كل بناء من الفعل كان معناه افْعَلْ والفتح فى الحروف التى ليست الا لمعنى وليست بأسماء ولا أَفعال قولهم سوف وثمَّ والكسر فيها قولهم فى باء الاضافة ولامها بِزيدٍ ولِزيدٍ والضمّ فيها [10] مُنذُ فيمن جرّ بها لانها بمنزلة مِنْ فى الايّام والوقف فيها قولهم مِنْ وهَلْ وبل وقد ولا ضَمَّ فى الفعل لانه لم يجئ ثالثٌ سوى المضارع وعلى هذينِ المعنيينِ بناء كل فعل بعد المضارع 4 واعلم انك اذا ثنّيت الواحدَ لحقتْه زيادتان الاولى منهما حرف المدّ واللين وهو حرف الإعراب غير متحرِّك ولا منوَّن تكون فى الرفع الفًا ولم تكن واوا ليُفْصَلَ بين التثنية والجمع الذى على حدّ التثنية وتكون فى الجرّ ياءً مفتوحا ما قبلها ولم يُكسَرْ [15] ليُفصَل بين التثنية والجمع الذى على حدّ التثنية وتكون فى النصب كذلك ولم يجعلوا النصب الفًا ليكون مثلَه فى الجمع وكان مع هذا ان يكون تابعا لما الجرُّ منه أَولى لان الجرّ للاسم لا يجاوِزه والرفعُ قد يَنتقل الى الفعل فكان هذا اغلبَ واقوى وتكون الزائدة الثانية نونا كانها عوضٌ لما مُنع من الحركة والتنوين وهى النون وحركتُها الكسر وذلك قولك الرجلانِ ورايت الرجلَيْنِ ومررت بالرجلَيْنِ واذا جمعت على حدّ التثنية [20] لحقتْها زيادتان الاولى منهما حرف المدّ واللين والثانية نون وحال الاولى فى السكون وتركِ التنوين وأنها حرف الاعراب حال الاولى فى التثنية إلا انها واو مضمومٌ ما قبلها فى الرفع وفى الجرّ والنصب ياء مكسورٌ ما قبلها ونونها مفتوحة فرقوا بينها وبين نون الاثنين كما ان حرف اللين الذى هو حرف الاعراب مختلِف فيهما وذلك قولك المسلمُونَ (Page 4) ورايت المسلمِينَ ومررت بالمسلِمينَ ومن ثم جعلوا تاء الجمع فى الجرّ والنصب مكسورة لانهم جعلوا التاء التى هى حرف الاعراب كالواو والياء والتنوينَ بمنزلة النون لانها فى التانيث نظيرة الواو والياء فى التذكير فاجروها مجراها 5 واعلم ان التثنية اذا لحقتِ الافعالَ المضارعة علامةً للفاعلينِ لَحِقَها الف ونون ولم تكن الالفُ حرف الاعراب لانك [5] لم ترد ان تثنِّىَ يَفْعَلُ هذا البناءَ فتَضمَّ اليه يَفْعَلاً آخَرَ ولكنك انما الحقته هذا للفاعلينِ ولم تكن منوّنةً ولا تلزمها الحركةُ لانه يُدْرِكُها الجزمُ والسكونُ فيكونَ الاولُ حرفَ الاعراب والاخِرُ كالتنوين فلمّا كان حالُ يَفْعَلُ فى الواحد غير حال الاسم وفى التثنية لم يكن بمنزلته فجعلوا اعرابَه فى الرفع ثباتَ النون لتكون له فى التثنية علامةَ الرفع كما كان فى الواحد اذ مُنع حرفَ الاعراب وجعلوا النون مكسورة كحالها فى الاسم [10] ولم يجعلوها حرف اعراب اذ كانت متحركة لا تثبتُ فى الجزم ولم يكونوا ليَحذفوا الالف لانها علامة الاضمار والتثنية فيمن قال أَكلونى البراغيثُ وبمنزلة التاء فى قلتُ وقالتْ فاثبتوها فى الرفع وحذفوها فى الجزم كما حذفوا الحركة فى الواحد ووافَق النصبُ الجزمَ فى الحذف كما وافَق النصبُ الجرَّ فى الاسماء لان الجزم فى الافعال نظير الجرّ فى الاسماء وليس للاسماء فى الجزم نصيبٌ كما انه ليس للفعل فى الجرّ نصيب وذلك قولك هما يَفْعَلانِ [15] ولم يَفْعَلاَ ولن يَفْعَلاَ 6 وكذلك اذا لحقتِ الافعالَ علامةٌ للجمع لحقتْها زائدتان إلاّ ان الاولى واو مضموم ما قبلها لان لا يكونَ الجمع كالتثنية ونونُها مفتوحة بمنزلتها فى الاسماء كما فعلت ذلك فى التثنية لانهما وقعتا فى التثنية والجمع هاهنا كما انهما فى الاسماء كذلك وهو قولك هم يَفعَلُونَ ولم يَفعلوا ولن يفعلوا وكذلك اذا الحقتَ التأنيثَ فى مخاطَبة إلا ان الاولى ياء وتَفْتَحُ النونَ لان الزيادة التى قبلها بمنزلة الزيادة التى فى [20] الجمع وهى تكون فى الاسماء فى الجرّ والنصب وذلك قولك انتِ تَفعَلِينَ ولم تفعَلِى ولن تفعَلِى واذا اردت جمع المؤنّث فى الفعل المضارع الحقتَه للعلامة نونا وكانت علامةَ الإضمار والجمع فيمن قال اكلونى البراغيث واسكنتَ ما كان فى الواحد حرفَ الاعراب كما فعلت ذلك فى فَعَلَ حين قلت فَعَلْنَ وفعلْتُ فأُسكن هذا هاهنا وبُنى على هذه (Page 5) العلامة كما أُسكن فَعَلَ لانه فِعْلٌ كما أنه فِعْلٌ وهو متحرِك كما انه متحرك وليس هذا بأبعد فيها اذ كانت هى وفَعَلَ شيئا واحدا من يَفْعَلُ اذ جاز لهم فيها الاعراب حين ضارعت الاسماء وليست باسماء وذلك قولك هنّ يَفْعَلْنَ ولن يفعَلْنَ ولم يفعَلْنَ وتُفتَح النونُ لانها نون جمع ولا تُحذَف لانها علامة إضمار وجمعٍ فيمن قال اكلونى البراغيث [5] فالنون هاهنا فى يَفْعَلْنَ بمنزلتها فى فَعَلْنَ وفُعل بلام يَفْعَلُ ما فُعل بلام فَعَلَ لما ذكرت لك ولانها قد تُبنَى مع ذلك على الفتحة فى قولك هل تَفعَلَنَّ والزموا لام فَعَلَ السكونَ وبنوها على العلامة وحذفوا الحركة لما زادوا لانها فى الواحد ليس اخِرُها حرف الاعراب لما ذكرت لك 7 واعلم ان بعض الكلام اثقل من بعض فالافعالُ اثقلُ من الاسماء لان الاسماء هى الاول وهى اشدُّ تمكّنا فمن ثم لم يَلحقها تنوينٌ ولحقها الجزم والسكون وانما هى من الاسماء الا [10] ترى ان الفعل لا بدّ له من الاسم وإلاّ لم يكن كلاما والاسمُ قد يَستغنى عن الفعل تقول اللهُ الهُنا وعبدُ الله اخونا واعلم ان ما ضارع الفعلَ المضارِعَ من الاسماء فى الكلام ووافقه فى البناء أُجرى لفظُه مُجرى ما يَستثقلون ومنعوه ما يكون لما يَستخفّون فيكون فى موضع الجرّ مفتوحا استثقلوه حيث قارَب الفعل فى الكلام ووافَقه فى البناء وذلك نحو أَبْيَضَ وأَسْوَدَ وأَحمَرَ وأَصفرَ فهذا بناء أَذْهَبُ وأَعْلَمُ 8 واما مضارعته فى الصفة فانك لو قلت اتانى [15] اليومَ قوىٌّ وأَلاَ باردَ أو مررت بجميل كان ضعيفا ولم يكن فى حسنِ اتانى رجل قوى وألا ماءَ باردَ و مررت برجل جميل افلا ترى ان هذا يَقبح هاهنا كما ان الفعل المضارع لا يُتكلَّم به إلا ومعه الاسم لان الاسم قبل الصفة كما انه قبل الفعل ومع هذا أنك ترى الصفة تَجرى فى معنى يَفْعَلُ وتَنْصِب كما ينصِب الفعلُ وسترى ذلك فان كان اسما كان اخفّ عليهم وذلك نحو أَفْكَلٍ وأَكْلُبٍ يَنصرفانِ فى النكرة واعلم ان النكرة اخفّ عليهم [20] من المعرفة وهى اشدّ تمكنا لان النكرة اول ثم يَدْخُل عليها ما تُعَرَّف به فمن ثم اكثرُ الكلام ينصرف فى النكرة واعلم ان الواحد اشدّ تمكنا من الجميع لان الواحد الاول ومن ثم لم يَصْرِفوا ما جاء من الجميع على مثالٍ ليس يكون للواحد نحو مَساجِدَ ومَفاتيحَ 9 واعلم ان المذكَّر اخفّ عليهم من المؤنّث لان المذكر اول وهو اشدّ تمكنا وانما يخرج التانيث من التذكير الا ترى ان الشىء يقع على كل ما أُخبر عنه من قبل ان يُعْلَمَ (Page 6) اذكرٌ هو او أُنثى والشىء مذكَّر فالتنوين علامة للأَمكن عندهم والاخفِّ عليهم وتركُه علامة لما يستثقلون وسوف يبيَّن ما يَنصرف وما لا ينصرف ان شاء الله وجميع ما لا ينصرف اذا أُدخل عليه الالف واللام او اضيف انجَرّ لانها اسماء أُدخل عليها ما يَدخل على المنصرف وأُدخل فيها المجرور كما يَدخل فى المنصرف ولا يكون ذلك فى الافعال وأَمِنوا [5] التنوينَ فجميع ما يُتْرَكُ صرفُه مضارَعٌ به الفعلُ لانه انما فُعل ذلك به لانه ليس له تمكّنُ غيرِه كما ان الفعل ليس له تمكّنُ الاسم واعلم ان الاخِر اذا كان يَسكن فى الرفع حُذف فى الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع فحذفوا كما حذفوا الحركة ونون الاثنين والجميعِ وذلك قولك لم يَرْمِ ولم يَغْزُ ولم يَخْشَ وهو فى الرفع ساكن الاخِرِ تقول هو يَرْمِى ويَغْزُو ويَخْشَى

[10] (Ch. 3) هذا باب المُسْنَد والمُسْنَد اليه * وهما ما لا يَستغنى واحدٌ منهما عن الاخَر ولا يَجد المتكلِّم منه بدّا فمن ذلك الاسمُ المبتدأُ والمبنىّ عليه وهو قولك عبدُ الله اخوك وهذا اخوك ومثل ذلك قولك يَذهب زيدٌ فلا بدَّ للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الاوّلِ بدٌّ من الاخَر فى الابتداء ومما يكون بمنزلة الابتداء قولك كانَ عبدُ الله منطلقا ولَيْتَ زيدا منطلقٌ لان هذا يَحتاج الى ما بعده كاحتياج المبتدإ الى ما بعده واعلم [15] ان الاسم اولُ أَحواله الابتداءُ وانما يَدخل الناصبُ والرافع سوى الابتداء والجارُّ على المبتدإ الا ترى ان ما كان مبتدأً قد تَدخل عليه هذه الاشياء حتى يكون غير مبتدإ ولا تصل الى الابتداء ما دام مع ما ذكرت لك الا ان تدَعَه وذلك انك اذا قلت عبدُ الله منطلقٌ ان شئت ادخلت رايتُ عليه فقلت رايت عبدَ الله منطلقا او قلت كان عبدُ الله منطلقا او مررتُ بعبدِ الله منطلقا فالابتداء اول كما كان الواحدُ اول [20] العدد والنكرةُ قبل المعرفة

(Ch. 4) هذا باب اللفظ للمعانى * اعلم ان من كلامهم اختلافَ اللفظينِ لاختلاف المعنيينِ (Page 7) واختلافَ اللفظينِ والمعنى واحدٌ واتّفاقَ اللفظين واختلاف المعنيين وسترى ذلك ان شاء الله تعالى فاختلافُ اللفظين لاختلاف المَعنيين هو نحو جلسَ وذهبَ واختلاف اللفظين والمَعنى واحدٌ نحو ذهبَ وانطلقَ واتّفاق اللفظين والمَعنى مختلِفٌ قولك وجدتُ عليه من المَوْجِدة ووجدت اذا اردت وِجدان الضالّة واشباهُ هذا كثيرٌ

[5] (Ch. 5) هذا باب ما يكون فى اللفظ من الأَعراض * اعلم انهم مما يَحذفون الكلم وان كان اصله فى الكلام غير ذلك ويَحذفون ويعوِّضون ويَستغنون بالشىء عن الشىء الذى اصله فى كلامهم ان يُستعمل حتى يَصير ساقطا وسترى ذلك ان شاء الله فمما حُذف واصله فى الكلام غير ذلك لَمْ يَكُ ولا أَدْرِ واشباه ذلك واما استغناؤهم بالشىء عن الشىء فانهم يقولون يَدَعُ ولا يقولون وَدَع استغنوا عنها بتَرَكَ واشباهُ ذلك كثيرة والعِوَضُ قولهم [10] زَنادِقةٌ وزَناديقُ وفَرازنةٌ وفَرازينُ حذفوا الياء وعوّضوا الهاءَ وقولهم أَسْطاعَ يُسْطيعُ وانما هى أَطاع يُطيع زادوا السينَ عوضا من ذهاب حركة العين من أَفْعَلَ وقولهم اللَّهُمَّ حذفوا يا والحقوا الميم عوضًا

(Ch. 6) هذا باب الاستقامة من الكلام والاحالة * فمنه مستقيم حسن ومحال ومستقيم كذِب ومستقيم قبيح وما هو محال كذب فاما المستقيم الحسن فقولك اتيتُك أَمْسِ [15] وسأتيك غدًا واما المحال فان تَنقض اولَ كلامك باخِره فتقولَ اتيتك غدا ساتيك امس واما المستقيم الكذب فقولك حملت الجبل وشربت ماء البحر ونحوه واما المستقيم القبيح فأنْ تضع اللفظ فى غير موضعه نحو قولك قد زيدا رايت وكى زيدٌ ياتيك واشباه هذا واما المحال الكذب فان تقول سوفَ اشرب ماء البحر امس

(Ch. 7) هذا باب ما يَحْتمِل الشعرُ * اعلم انه يجوز فى الشعر ما لا يجوز فى الكلام من صرف ما [20] لا يَنصرف يشبِّهونه بما ينصرف من الاسماء لانها اسماء كما انها اسماء وحذفِ ما لا يُحذَف يشبّهونه بما قد حُذف واستُعمل محذوفا كما قال العجّاج [ رجز ]

قَوَاطِنًا مكّةَ من وُرْقِ

(Page 8) يريد الحَمام 10 وكما قال خُفاف بن نَدْبةَ السُّلَمى [ كامل ]

كنَواحِ رِيشِ حَمامةٍ نَجْديّةٍ * ومسحْتِ باللِّثَتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ

وكما قال [ رجز ]

دارٌ لسُعْدَى إذْ هِ مِن هَواكا

[5] وقال [ وافر ]

فَطِرتُ بمُنْصُلى فى يَعْمَلاتٍ * دَوامِى الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريحَا

وكما قال النجاشى [ طويل ]

فلستُ بآتيه ولا أَستطيعُه * ولاكِ اسْقِنى إن كان ماؤُكَ ذا فَضْلِ

وكما قال مالك بن خُرَيْمٍ الهمدانى [ طويل ]

[10] فإن يَكُ غَثًّا او سَمينًا فإنّنى * سأَجْعَلُ عينَيْه لنفسه مَقْنَعَا

وقال الاعشى [ كامل ]

واخو الغَوانِ متى يشأْ يَصْرِمْنَه * ويكنَّ أَعداءً بُعَيْدَ وِدادِ

11 وربما مَدّوا مثل مَساجد ومَنابر فيقولون مَساجيد ومَنابير شبّهوه بما جُمع على غير واحده فى الكلام كما قال الفرزدق [ بسيط ]

[15] تَنْفِى يداها الحَصَى فى كلّ هاجرة * نَفْىَ الدَّنانيرِ تَنقادُ الصَّياريفِ

12 وقد يَبلغون بالمعتلّ الاصلَ فيقولون رادِدٌ فى رادّ وضَنِنوا فى ضنّوا ومررتم بجَوارِىَ قبلُ
قال قَعْنَبُ بن امّ صاحب [ بسيط ]

مَهْلاً أَعاذِلَ قد جَرّبتِ من خُلُقِى * أَنّى أَجُودُ لأقوامٍ وان ضَنِنُوا

13 ومن العرب من يثقِّل الكلمةَ اذا وقف عليها ولا يثقّلها فى الوصل فاذا كان فى الشعر [20] فهم يُجرونه فى الوصل على حاله فى الوقف نحوَ سَبْسَبَّا وكَلْكَلاَّ لانهم قد يثقّلونه فى الوقف فاثبتوه فى الوصل كما اثبتوا الحذف فى قوله لنفسه مَقْنَعَا وانماحذفُه فى الوقف
قال روبة [ رجز ]

ضَخْمٌ يُحِبُّ الخُلُقَ اللأَضْخَمَّا

(Page 9) يُرْوى بكسر الهمزة وفتحها وقال بعضهم الضِّخَمَّا بكسر الضاد وقال ايضا فى مثل لنفسه مَقْنَعَا وهو الشمَّاخ [ وافر ]

له زَجَلٌ كأنّه صوتُ حادٍ * اذا طَلب الوَسيقةَ او زَميرُ

وقال حنظلة بن فاتك [ طويل ]

[5] وأَيْقَنَ أنّ الخيلَ إن تَلتبِسْ به * يكنْ لفَسيلِ النَّخْلِ بعدَه آبِرُ

وقال رجل من باهلة [ بسيط ]

او مُعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبـِى عن وليّته * ما حجّ ربُّه فى الدنيا ولا اعْتَمَرَا

وقال الاعشى [ طويل ]

وما لَهُ من مجدٍ تَليدٍ وما لهُ * من الريح فَضْلٌ لا الجَنوبُِ ولا الصَّبَا

[10] وقال [ بسيط ]

بيناهُ فى دار صِدْقٍ قد اقام بها * حينًا يُعلِّلُنا وما نُعلِّلُهُ

14 ويحتمِلون قُبحَ الكلام حتى يضعوه فى غير موضعه لانه مستقيم ليس فيه نقص فمن ذلك قول عمر بن ابى ربيعة [ طويل ]

صددتِّ فأَطولتِ الصُّدودَ وقلَّ ما * وِصالٌ على طُولِ الصدود يَدومُ

[15] وانما الكلام قلَّ مايَدوم وِصالٌ 15 وجعلوا ما لا يَجرى فى الكلام الا ظرفا بمنزلة غيره من الاسماء وذلك قول المرّار بن سلامة العجلى [ طويل ]

ولا يَنْطِقُ الفحشاءَ من كان منهمُ * اذا جلسوا منّا ولا من سَِوائنا

وقال الاعشى [ طويل ]

وما قَصدتْ من ارضها لسَوائكا

[20] 16 وقال خِطام المُجاشِعى [ رجز ]

وصالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ

فعلوا ذلك لان معنى سَواءٍ معنى غيرٍ ومعنى الكاف معنى مثلٍ وليس شىء يُضطَّرّون اليه (Page 10) الا وهمْ يحاوِلون به وجها وما يجوز في الشعر اكثر من ان اذكره لك هاهنا لان هذا موضع جُمَلٍ وسنبيّن ذلك فيما يَستقبل ان شاء الله


Up to Chs. 1-7 | Down to Chapters 565-571

Search Text

Chapters 285-302

Unformatted version of Derenbourg, showing (Chapter), Page and [Line] numbers as links in blue.

Clicking on a (Chapter) takes you to the Base Text at that Chapter.

Clicking on a [Line] or Page takes you to that line or page in Derenbourg (vol. 2), as this will make it easier to locate a specific item.

Clicking on the Golden Book icon takes you to the corresponding Reference Bar in the Base Text. This icon is not supplied at Chapter Headings, which are already linked to the Base Text by their Chapter numbers.

NB There are no return links to this document: use the Back Button

Ch. 285 هذا باب ما يَنصرف وما لا يَنصرف * هذا باب أَفْعَل * اعلم انّ أَفْعَل اذا كان صفة لم يَنصرف في معرفة ولا نكرة وذلك لانها أَشبهتِ الأَفعالَ نحو أَذْهَبُ وأَعْلَمُ * قلتُ فما بالُه لا يَنصرف اذا كان صفةً وهو نكرةٌ * فقال لانّ الصفات أقربُ الى الأفعال فاستثقلوا التنوينَ فيه كما استثقلوه في الأفعال وارادوا ان يكون في الاستثقال كالفعل اذ كان مثلَه [5] في البناء والزيادة وضارَعَه وذلك نحو أَخْضَرَ وأَحْمَرَ وأَسْوَدَ وأَبْيَضَ وآدَرَ فاذا حقّرتَ قلت أُخَيْضِرُ وأُحَيْمِرُ فهو على حاله قبل ان تحقّره من قبل أنّ الزيادة التي أَشبهَ بها الفعلَ مع البناء ثابتةٌ وأَشبهَ هذا من الفعل ما أُمَيْلِحَ زيدًا كما أَشبهَ أَحْمَرُ أَذْهَبُ

Ch. 286 هذا باب أَفْعَل اذا كان اسمًا وما أشبهَ الأفعالَ من الاسماء التي في أوائلها الزوائدُ * فما كان من الاسماء أَفْعَل فنحوُ أَفْكَلٍ وأَزْمَلٍ وأَيْدَعٍ وأَرْبَعٍ لا تَنصرف في المعرفة لانّ المعارف [10] أثقلُ وانصرفتْ في النكرة لبُعدها من الأفعال وتركوا صرفها في المعرفة حيث أَشبهت الفعل لثِقَل المعرفة عندهم * وامّا ما أَشبهَ الأفعال سوى أفْعَل فمثلُ اليَرْمَعِ واليَعْمَلِ وهو جِماعُ اليَعْمَلة ومثلُ أَكْلُبٍ وذلك أنّ يَرْمَعًا بمنزلة يَذْهَبُ وأَكْلُبٌ بمنزلة أَدْخُلُ الا ترى ان العرب لم تَصرف أَعْصُرَ ولغةٌ لبعض العرب يَعْصُرُ لا يَصرفونه ايضا وتَصرف ذلك في النكرة لانه ليس بصفة * واعلم انّ هذه الياء والالف لا تقع واحدةٌ منهما في اوّل حرف رابعةً (Page 2) الاّ وهى زائدة الا ترى انه ليس اسمٌ مثلُ أفْكَلٍ يُصرَف وان لم يكن له فعلٌ يَتصرّف ومما يدلّك أنها زائدة كَثرةُ دخولها على بنات الثلاثة وكذلك الياءُ ايضا وان لم تقل ذلك دخل عليك ان تَصرف أَفْكَلاً وأن تَجعل الشيءَ اذا جاء بمنزلة الرِّجازة والرِّبابة لانه ليس له فعلٌ بمنزلة القِمَطْرة والهِدَمْلة فهذه الالفُ الياء تَكثر زيادتُها في بنات الثلاثة [5] فهى زوائدُ حتى يجيءَ امرٌ يَتبيّن نحو أوْلَقٍ فإنّ أَوْلَقًا انما الزيادةُ فيه الواو يدلّك على ذلك قد أُلِقَ ورجلٌ مأْلوقٌ ولو لم يَتبيّن امرُ أَوُلَقٍ لكان عندنا أَفْعَل لانّ أَفْعَل فى الكلام اكثرُ من فَوْعَلٍ ولو جاء في الكلام شيءٌ نحوُ أَكْلَلٍ وأَيْقَقٍ فسمّيتَ به رجلا صرفتَه لانه لو كان أَفْعَلَ لم يكن الحرفُ الاول الاّ ساكنًا مدغَما * وامّا أوَّلُ فهو أفْعَلُ يدلّك على ذلك قولهم هو اوّلُ منه ومررت باوّلَ منه * ومما يُترَك صرفُه لانه يُشبِه [10] الفعلَ ولا يُجعَل الحرفُ الاول منه زائدا الاّ بثبتٍ نحوُ تَنْضُبٍ فانما التاءُ زائدة لانه ليس في الكلام شيءٌ على اربعة احرف ليس أولُه زيادةً يكون على هذا البناء نحو تُرْتُبٍ وقد يقال ايضا تُرْتَب فلا يُصرَف ومن قال تُرْتُبٌ صرف لانه وان كان أولُه زائدا فقد خرج من شبه الأفعال وكذلك التُّدْرَأُ وتقدريها التَّدَرُّؤُ فانما هو من دَرَأْتُ وكذلك التُّتْفَل ويدلّك على ذلك قول بعض العرب التَّتْفُلُ وأنه ليس في الكلام كجَعْفُرٍ وكذلك رجلٌ يسمَّى تَأْلَب [15] لانه تَفْعَلُ ويدلّك على ذلك انه يقال للحَمّار أَلَبَ يَأْلِبُ وهو طردُه طريدتَه وانما قيل له تَأْلَبٌ من ذلك * وامّا ما جاء مثل تَوْلَبٍ ونَهْشَلٍ فهو عندنا من نفس الحرف مصروفٌ حتى يجيءَ امرٌ يبيِّنه وكذلك فعلتْ به العرب لان حال التاء والنون في الزيادة ليست كحال الالف والياء لانهما لم تكثرا في الكلام زائدتينِ ككثرتهما فإن لم تقل ذلك دخل عليك ألاّ تَصرفَ نهشلا ونَهْسَرًا فهذا قول الخليل ويونس والعرب * وإذا سمّيتَ رجلا [20] بإِثْمِدٍ لم تصرفه لانه يشبه اِضْرِبْ واذا سمّيت رجلا بإِصْبَعٍ لم تصرفه لانه يشبه اِصْنَعْ وان سمّيته بأُبْلُمٍ لم تصرفه لانه يشبه اُقْتُلْ ولا تحتاج في هذا الى ما تحتاج اليه في تُرْتُبٍ وأشباهها لانها أَلِفٌ وهذا قول الخليل ويونس * وانما صارت هذه الاسماءُ بهذه المنزلة لانهم كانّهم ليس اصلُ الاسماء عندهم على ان يكون في اوائلها الزوائدُ وتكونَ على هذا البناء الا ترى انّ تَفْعَلُ ويَفْعَلُ في الاسماء قليل وكان هذا البناءُ انما هو في الاصل للفعل (Page 3) فلمّا صار في موضع قد يُستثقل فيه التنوين استثقلوا فيه ما استثقلوا فيما هو اولى بهذا البناء وانما صارت أَفْعَلُ في الصفات اكثر لمضارعة الصفة الفعلَ * واذا سمّيت رجلا بفعل في أوله زائدة لم تصرفه نحوَ يَزيدَ ويَشْكُرَ وتَغْلِبَ و يَعْمَرَ وهذا النحوُ أَحرى ان لا تصرفه وانما اقصى امرِه ان يكون كَتَنْضُبٍ ويَرْمَعٍ * وجميعُ ما ذكرنا في هذا الباب [5] ينصرف في النكرة قال من قبل انّ أَحْمَرَ كان وهو صفةٌ قبل ان يكون اسما بمنزلة الفعل فاذا كان اسما ثم جعلته نكرة فانما صيّرته الى حاله اذا كان صفة وامّا يزيدُ فانك لما جعلته اسما في حال يُستثقل فيها التنوين استُثقل فيه ما كان استُثقل فيه قبل ان يكون اسما فلمّا صيّرته نكرةً لم يَرجع الى حاله قبل ان يكون اسما وأَحْمَرُ لم يَزل اسما * واذا سمّيتَ رجلا بإِضْرِبْ أو أُقْتُلْ أو إِذْهَبْ لم تصرفها وقطعتَ الالفات حتى يَصير [10] بمنزلة الاسماء لانك قد غيّرتها عن تلك الحال الا ترى انك تَرفعها وتَنصبها الا أنك استثقلت فيها التنوين كما استثقلته في الاسماء التي تشبِّهها بها نحوَ إِثْمِدٍ وإِصْبَعٍ وأُبْلُمٍ فانما اضعفُ امْرها ان تصير الى هذا وليس شيء من هذه الحروف بمنزلة اِمْرِئٍ لان الف اِمْرِئٍ كانك ادخلتها حين أَسكنتَ الميم على مَرْءٌ ومَرءًا ومَرءٍ فلما ادخلتَ الالف على هذا الاسم حين اسكنتَ الميم تركتَ الالف وصلا كما تركتَ الف اِبْنٍ وكما تركتَ الف [15] اِضْرِبْ في الامر فاذا سمّيتَ باِمْرِئٍ رجلا تركتَه على حاله لانك نقلته من اسم الى اسم وصرفتَه لانه لا يشبه لفظُه لفظَ الفعل تقول اِمْرُؤُ وامرِئٍ وامرَأً وليس شيء من الفعل هكذا واذا جعلتَ إِضْرِبْ أو أُقْتُلْ اسما لم يكن له بدٌّ من أن تجعلها كالاسماء لانك نقلت فعلا الى اسم ولو سمّيته انْطِلاقًا لم تَقطع الالف لانك نقلت اسما الى اسم * واعلم ان كلّ اسم كانت في اوله زائدة ولم يكن على مثال الفعل فانه مصروف وذلك نحو [20] إِصْليتٍ وأُسْلوبٍ ويَنْبوتٍ وتَعْضوضٍ وكذلك هذا المثال اذا اشتققتَه من الفعل نحو يَضْروبٍ وإِضْريبٍ وتَضْريبٍ لان ذا ليس بفعل وليس باسم على مثال الفعل الا ترى انك تصرف يَرْبوعا فلو كان يَضْروبٌ بمنزلة يَضْرِبُ لم تصرفه * وان سمّيت رجلا هَراقَ لم (Page 4) تصرفه لان هذه الهاء بمنزلة الالف زائدةً وكذلك هَرِقْ بمنزلة أَقِمْ * وإذا سمَّيت رجلا بتَفاعُلٍ نحو تَضارُبٍ ثم حقّرتَه فقلت تُضَيْرِبُ لم تصرفه لانه يصير بمنزلة قولك في تَغْلِبَ ويَخرج الى ما لا ينصرف كما تَخرج هِنْدٌ في التحقير اذا قلت هُنَيْدةُ الى ما لا ينصرف البتّة في جميع اللغات * وكذلك أَجادِلُ اسم رجل اذا حقّرته لانه يصير [5] أُجَيْدِلَ مثل أُمَيْلِحَ * وان سمّيت رجلا بهَرِقْ قلت هذا هَرِيقُ قد جاء لا تَصرف

Ch. 287 هذا باب ما كان مِن أَفْعَل صفةً في بعض اللغات واسما في اكثر الكلام * وذلك أَجْدَلٌ وأَخْيَلٌ وأَفْعًى فاجودُ ذلك ان يكون هذا النحو اسما وقد جعله بعضهم صفة وذلك لان الجدل شدّة الخلق فصار أَجْدَلٌ عندهم بمنزلة شَديدٍ وامّا أَخْيَلٌ فجعلوه من أَخْيَلُ من الخِيلان للونه وهو طائر اخضرُ وعلى جناحه لُمْعة سوداءُ مخالِفة للونه [10] وعلى هذا المثال جاء أَفْعًى كانه صار عندهم صفة وان لم يكن له فعل ولا مصدر * وامّا أَدْهَمُ اذا عنيتَ القَيْد والأَسْوَدُ اذا عنيت الحيّة والأَرْقَمُ اذا عنيت الحّية فانك لا تصرفه في معرفة ولا نكرة و لم تَختلف في ذلك العربُ فان قال قائل اصرفُ هذا لاني اقول أَداهِمُ وأَراقِمُ فانت تقول الأَبْطَحُ والأَباطِحُ وأَجارِعُ وأَبارِقُ وانما الأَبْرَق صفة وانما قيل أَبْرَقَ لانّ فيه حمرة وبياضا وسوادا كما قالوا تَيْسٌ أَبْرَقُ حين كان فيه سواد وبياض وكذلك الأَبْطَح انما [15] هو المكان المنبطح من الوادى وكذلك الأَجْرَعُ انما هو المكان المستوِى من الرمل المتمكِّن ويقال مكانٌ جَرِعٌ ولكن الصفة ربما كثرت في كلامهم واستُعملت وأُوقعتْ مَواقع الاسماء حتَّى يَستغنوا بها عن الاسماء كما تقول الأَبْغَثُ وانما هو من البُغْثة وهو لون ومما يقوّى انه صفة قولهم بَطْحاءُ وجَرْعاءُ وبَرْقاءُ فجعلوا مؤنّثه كمؤنّث أَحْمَرَ

Ch. 288 هذا باب أَفْعَلَ مِنْكَ * اعلم انك انما تركت صرف أَفْعَلَ مِنْكَ لانه صفة * فان [20] سمّيت رجلا بأَفْعَلَ هذا بغير مِنْكَ صرفته في النكرة وذلك نحو أَحْمَدٍ وأَصْغَرٍ وأَكْبَرٍ لانك لا تقول هذا رجلٌ أَصغرُ ولا هذا رجل أَفْضَلُ وانما يكون هذا صفةً بمِنْكَ * فان سمّيته (Page 5) أَفْضَلَ مِنْكَ لم تصرفه على حال * وامّا أَجْمَعُ وأَكْتَعُ فاذا سمّيت رجلا بواحدٍ منهما لم تصرفه في المعرفة وصرفتَه في النكرة وليس واحدٌ منهما في قولك مَررتُ به أَجْمَعَ أَكْتَعَ بمنزلة أَحْمَرَ لان أَحْمَرَ صفة للنكرة وأَجْمَعُ وأَكْتَعُ انما وُصفت به معرفةٌ فلم ينصرفا لانهما معرفة فأَجْمَعُ هاهنا بمنزلة كُلُّهُمْ

[5] Ch. 289 هذا باب ما ينصرف من الامثلة وما لا ينصرف * تقول كلُّ أَفْعَلٍ يكون وصفا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة وكلُّ أَفْعَلٍ يكون اسما تصرفه في النكرة * قلتُ فكيف تصرفه وقد قلتَ لا أَصرفُه * قال لان هذا بناءٌ يمثَّل به فزعمتُ ان هذا المثال ما كان عليه من الوصف لم يَجر فان كان اسما وليس بوصف جرى * ونظير ذلك قولك كلُّ أَفْعَلَ اردتَّ به الفعل نصبٌ ابدا * فانما زعمتُ ان هذا البناء يكون في الكلام على وجوه [10] وكان أَفْعَلُ اسمًا فكذلك منزلةُ أَفْعَلَ في المسألة الاولى ولو لم تصرفه ثَمَّ لتركت أَفْعَلَ هاهنا نصبا فانما أَفْعَلُ هاهنا اسم بمنزلة أَفْكَلٍ الا ترى انك تقول اذا كان هذا البناء وصفا لم أَصرفه وتقول أَفْعَلُ اذا كان وصفا لم أَصرفه فانما تركتَ صرفه هاهنا كما تركتَ صرف أَفْكَلٍ اذا كان معرفةً * وتقول اذا قلتَ هذا رجلٌ أَفْعَلُ لم ينصرف على حال وذلك لانك مثلّت به الوصف خاصّةً فصار كقولك كلُّ أَفْعَلَ زيدٌ نصبٌ ابدا لانك مثّلت به [15] الفعل خاصّة * قلتُ فلم لا يجوز ان تقول كلُّ أَفْعَلَ في الكلام لا أَصرفُه اذا أردت الذي مثّلتَ به الوصف كما اقول كلُّ آدَمَ في الكلام لا أَصرفُه * فقال لا يجوز هذا لانه لم يَستقرَّ أَفْعَلُ في الكلام صفةً بمنزلة آدَمَ فانما هو مثال الا ترى انك لو سمّيت رجلا بأَفْعَلٍ صرفتَه في النكرة لان قولك أَفْعَلٌ لا يوصف به شيء وانما تمثِّل به وانما تركتَ التنوين فيه حين مثّلت به الوصف كما نصبتَ أَفْعَلاً حين مثّلتَ به الفعل وأَفْعَلٌ لا يُعْرَف في الكلام [20] فعلا مستعمَلا فقولك هذا رجلٌ أَفْعَلُ بمنزلة قولك أَفْعَلَ زيدٌ فاذا لم تَذكر الموصوف صار بمنزلة أَفْعَلَ اذا لم يَعمل في اسم مظهَر ولا مضمَر * قلتُ فما يَمنعه ان يقول كلُّ أَفْعَلَ يكون صفة لا أَصرفُه يريد الذي مثّلتَ به الوصف * فقال هذا بمنزلة الذي ذكرنا قبله لو جاز هذا لكان أَفْعَلُ وصفا ثابتا في الكلام غيرَ مثال ولم يكن يحتاج الى ان يقول يكون صفة ولكنه (Page 6) يقول لانه صفة كما انك اذا قلت لا تصرف كلّ آدَمَ في الكلام قلتَ لانه صفة ولا تقول اردتَّ به الصفة فيُرَى المخاطَب ان آدَمَ يكون غير صفة لان آدَمَ الصفة بعينها * وكذلك قولك هذا رجلٌ فَعْلان يكون على وجهين لانك تقول هذا ان كان عليه وصفٌ له فَعْلَى لم ينصرف وان لم يكن له فَعْلَى انصرف وليس فَعْلان هنا بوصفٍ مستعمَل في الكلام [5] له فَعْلَى ولكنه هاهنا بمنزلة أَفْعَلٍ في قولك كلُّ أَفْعَلٍ كان صفةً فامره كذا وكذا ومثله كلّ فَعْلانٍ كان صفة وكانت له فَعْلَى لم ينصرف وقولك كانت له فَعْلَى وكان صفة يدلّك على انه مثال * وتقول كلّ فَعْلًى او فِعْلًى كانت الفُها لغير التأنيث انصرف وان كانت الالف جاءت للتأنيث لم ينصرف وان شئت صرفتَ وجعلت الالف لغير التأنيث * وتقول اذا قلت هذا رجلٌ فَعَنْلًى نوّنتَ لانك مثّلت به وصف المذكَّر خاصّة مثلَ [10] حَبَنْطًى ولا يكون الاّ منوّنا الا ترى انك تقول هذا رجلٌ حَبَنْطًى يا هذا فعلى هذا جرى هذا الباب * وتقول كلُّ فُعْلَى في الكلام لا ينصرف وكلُّ فَعْلاءَ في الكلام لا ينصرف لان هذا المثال لا ينصرف في الكلام البتّةَ كما انك تقول هذا رجلٌ أَفْعَلُ فلا ينصرف لانك مثّلته بما لا ينصرف وهي الصفة فأَفْعَلُ صفة كفَعْلاءَ

Ch. 290 هذا باب ما ينصرف من الأفعال اذا سمّيتَ به رجلا * زعم يونس انك اذا سمّيت [15] رجلا بضارِب من قولك ضارِبْ وانت تأمر فهو مصروف وكذلك ان سمّيته ضارَبَ وكذلك ضَرَبَ وهو قول الخليل وابي عمرو وذلك لانها حيث صارت اسمًا و صارت في موضع الاسم المجرور والمنصوب والمرفوع ولم تجئ في اوائلها الزوائدُ التي ليس في الاصل عندهم ان تكون في اوائل الاسماء اذا كانت على بناء الفعل غلبت الاسماءُ عليها اذا اشبهتْها في البناء وصارت اوائلُها الاوائلَ التي هي في الاصل للاسماء فصارت بمنزلة ضارِبٍ الذي هو [20] اسم وبمنزلة حَجَرٍ وتابَلٍ كما ان يَزيدَ وتَغْلِبَ يصيران بمنزلة تَنْضُبٍ ويَعْمَلٍ اذا صارت اسما * وامّا عيسى فكان لا يَصرف ذلك وهو خلافُ قول العرب سمعناهم يصرفون الرجل يسمَّى كَعْسَبًا وانما هو فَعَلَ من الكَعْسَبة وهو العَدْوُ الشديد مع تَداني الخُطَى * والعرب تنشد هذا البيت لسُحَيْم بن وَثيل بن يربوع * [ وافر ] أَنا ابنُ جَلاَ وطَلاّعُ الثَّنايا * متى أَضَعِ العِمامةَ تَعْرِفونِي (Page 7) ولا نُراه على قول عيسى ولكنه على الحكاية كما قال * [طويل] بَنِى شابَ قَرْناها تَصُرُّ وتَحْلُبُ كانه قال انا ابنُ الذي جلا * فان سمّيت رجلا ضَرَّبَ او ضُرِّبَ لم تَصرف * فاما فَعَّلَ فهو مصروف * ودَحْرَجَ ودُحْرِجَ لا تَصرفه لانه لا يشبه الاسماء * وأنشد الاخفش في [5] ضَرَّبَ * [طويل] سَقى اللهُ أَمْواهًا عرفتُ مكانَها * جُرابًا ومَلْكومًا وبَذَّرَ والغَمْرَا ولا يَصرفون خَضَّمَ وهو اسم العَنْبَر بن عمرو بن تميم * فان حقّرتَ هذه الاسماء صرفتها لانها تشبه الاسماء فيصير ضارِبٌ وضارَبٌ ونحوُهما بمنزلة ساعِد وخاتَمٍ فكلّ اسم يسمَّى بشيء من الفعل ليست في اوله زيادة وله مثال في الاسماء انصرف فان سمّيته باسم في [10] اوله زيادة وأَشبه الافعال لم ينصرف فهذه جملةُ هذا كلِّه * وان سمّيت رجلا ببَقَّمَ او شَلَّمَ وهو بيت المقدس لم تَصرفه البتّة لانه ليس في العربيّة اسم على هذا البناء ولانه اشبه فعلا فهو لا ينصرف اذا صار اسما لانه ليس له نظيرٌ في الاسماء لانه جاء على بناء الفعل الذي انما هو في الاصل للفعل لا للاسماء فاستُثقل فيه ما يُستثقل في الافعال فان حقّرته صرفته * وان سمّيت رجلا ضَرَبُوا فيمن قال أَكلوني البَراغيثُ قلت هذا ضَرَبُونَ [15] قد أَقبل تُلحِق النون كما تُلحقها في أُولِي لو سمّيت بها رجلا من قوله عزّ وجلّ أُولِى أَجْنِحَةٍ ومن قال هذا مُسْلِمُونَ في اسم رجل قال هذا ضَرَبُونَ ورأيتُ ضَرَبِينَ وكذلك يَضْرِبُونَ في هذا القول فان جعلتَ النون حرف الاعراب فيمن قال هذا مُسْلِمِينٌ قلت هذا ضَرَبِينٌ قد جاء ولو سمّيت رجلا مُسْلِمِينٌ على هذه اللغة لقلت هذا مُسْلِمِينٌ صرفت وابدلتَ مكان الواو ياء لانها قد صارت بمنزلة الاسماء وصرتَ كانك سمّيته بمثل [20] يَبْرِينَ وانما فعلتَ هذا بهذا حين لم يكن علامةً للاضمار وكان علامةً للجمع كما فعلتَ ذلك بضَرَبَتْ حين كانت علامةً للتأنيث فقلتَ هذا ضَرَبَةُ قد جاء وتَجعل التاء هاءً لانها قد دخلت في الاسماء حين قلت هذه ضَرَبَهْ فوقفتَ اذا كانت بعد حرف متحّرك قلبتَ التاء هاءً حين كانت علامة للتأنيث * وان سمّيته بضَرَبَا في هذا القول (Page 8) ألحقتَ النون وجعلته بمنزلة رجل سُمّى برَجُلَيْنِ وانما كففتَ النون في الفعل لانك حين ثنّيتَ وكانت الفتحةُ لازمةً للواحد حذفتَ ايضا في الاثنين النون ووافَق الفتحُ في ذاك النصبَ في اللفظ فكان حذفُ النون نظيرَ الفتح كما كان الكسرُ في هَيْهاتِ نظير الفتح في هَيْهاةَ * وان سمّيت رجلا بضَرَبْنَ أو يَضْرِبْنَ لم تصرفه في هذا لانه ليس مثله [5] في الاسماء لانك إن جعلتَ النون علامةً للجمع فليس في الكلام مثلُ جَعَفْرٍ فلا تصرفه وان جعلته علامةً للفاعلات حكيتَه فهو في كِلا القولينِ لا ينصرف

Ch. 291 هذا باب ما لحقته الالفُ في اخِره فمنعه ذلك من الانصراف في النكرة و المعرفة وما لحقته الالف فانصرف في النكرة ولم تصرفه في المعرفة * امّا ما لا ينصرف فيهما فنحو حُبْلَى وحُبَارَى وجَمَزَى ودِفْلَى وشَرْوَى وغَضْبَى وذاك انهم ارادوا ان يَفرقوا بين الالف [10] التي تكون بدلا من الحرف الذي هو من نفس الكلمة والالف التي تُلْحِق ما كان من بنات الثلاثة ببنات الاربعة وبين هذه الالف التي تجيء للتأنيث * فامّا ذِفْرى فقد اختَلفت العرب فقالوا هذه ذِفْرًى أَسيلةٌ فنوّنوا وهي اقلُّهما وقالوا ذِفْرَى أَسيلةٌ و ذلك انهم ارادوا ان يجعلوها الفَ تأنيث فامّا من نوّن جعلها ملحِقةً بهَجْرَعٍ كما ان واو جَدْوَلٍ بتلك المنزلة * وكذلك تَتْرى فيها لغتان * وامّا مِعْزًى فليس فيها الاّ لغة [15] واحدة تنوَّن في النكرة * وكذلك الأَرْطَى كلُّهم يصرف وتذكيرُه مما يقوّيك على هذا التفسير * وكذلك العَلْقَى الانهم اذا أنّثوا قالوا عَلْقاةٌ وأَرْطاةٌ لانهما ليستا الفىْ تأنيث * وقالوا بُهْمَى واحدة لانها الف تأنيث و بُهْمَى جميع * وحَبَنْطًى بهذه المنزلة انما جاءت ملحِقة بجَحَنْفَلٍ وكينونتُه وصفا للمذكَّر يدلّك على ان هذه الالف ليست للتأنيث * وكذلك قَبَعْثَرًى لانك لم تُلحِق هذه الالف للتأنيث الا ترى انك تقول [20] قَبَعْثَراةٌ وانما هي زيادة لحقتْ بنات الخمسة كما لحقتها الياءُ في دَرْدَبيسٍ * وبعض العرب يؤنّث العَلْقَى فينزّلها بمنزلة البُهْمَى فيَجعل الالف للتأنيث * قال رؤبة * [رجز] يَسْتَنُّ في عَلْقَى وفي مُكورِ (Page 9) فلم ينوّنه * وانما منعهم من صرف دِفْلَى وشَرْوَى ونحوهما في المعرفة و النكرة انّ ألفهما حرف يكسَّر عليه الاسم اذا قلت حَبالَى ولا تَدخل في التأنيث لمعنًى يَخرج منه ولا تُلحِق به ابدا بناءً ببناءٍ كما فعلوا ذلك بنون رَعْشَنٍ و تاءِ سَنْبَتةٍ وعِفْريتٍ الا ترى انهم قالوا جَمَزَى فبنوا عليها الحرف فتوالت فيه ثلاثُ حركات وليس شيء يكون فيه الالف [5] لغير التأنيث نحوَ نون رَعْشَنٍ تَوالى فيه ثلاثُ حركات ان كان مما عدّتُه اربعة احرف لانها ليست من الحروف التي تُلحِق بناءً ببناءٍ وانما تَدخل لمعنًى فلمّا بعُدتْ من حروف الاصل تركوا صرفها كما تركوا صرف مَساجِدَ حيث كسّروا هذا البناء لمعنى لا يكون للواحد و لا تَتوالى فيه ثلاثُ حركات

Ch. 292 هذا باب ما لحقته ألفُ التأنيث بعد الفٍ فمنعه ذلك من الانصراف في النكرة [10] والمعرفة * وذلك نحو حَمْراءَ وصَفْراءَ وخَضْراءَ وصَحْراءَ وطَرْفاءَ ونُفَساءَ وعُشَراءَ وقُوَباءَ وفُقَهاءَ وسابِياءَ وحاوِياءَ وكِبْرِياءَ * ومنه عاشُوراءُ * ومنه ايضا أَصْدِقاءُ وأَصْفِياءُ ومنه زِمِكّاءُ وبَروكاءُ وبَراكاءُ ودَبوقاءُ وخُنْفَساءُ وعُنْظُباءُ وعَقْرَباءُ وزَكَرِيّاءُ * فقد جاءت في هذه الابنية كلِّها للتأنيث * والالفُ اذا كانت بعد الف مثلُها اذا كانت وحدَها الاّ انك همزتَ الاخِرة للتحرّك لانه لا ينجزم حرفان فصارت الهمزة التي هي بدلٌ من [15] الالف بمنزلة الالف لو لم تُبْدَل وجرى عليها ما كان يَجري عليها اذا كانت ثابتة كما صارت الهاء في هَراقَ بمنزلة الالف * واعلم ان الالفينِ لا تُزادان ابدا الا للتأنيث ولا تزادان ابدا لتُلحِقا بنات الثلاثة بسِرْداحٍ ونحوها الا ترى انك لم ترقط فَعْلاءَ مصروفة ولم تر شيئا من بنات الثلاثة فيه الفان زائدتان مصروفا * فان قلتَ فما بال عِلْباءٍ وحِرْباءٍ فإنّ هذه الهمزة التي بعد الالف انما هي بدل من ياءٍ كالياء التي في دِرْحايةٍ [20] وأشباهها فانما جاءت هاتان الزيادتان هنا لتُلحِقا عِلْباءً وحِرْباءً بسِرْداحٍ وسِرْبالٍ الا ترى ان هذه الالف والياء لا تُلحَقان اسما فيكونَ اولُه مفتوحا لانه ليس في الكلام مثلُ (Page 10) سَرْداحٍ ولا سَرْبالٍ وانما تُلحَقان لتَجعلا بنات الثلاثة على هذا المثال والبناء فصارت هذه الياء بمنزلة ياءٍ هي من نفس الحرف ولا تُلحَق الفان للتأنيث شيئا فتُلْحِقا هذا البناءَ به * ولا تُلحَق الفان للتأنيث شيئا على ثلاثة احرف واولُ الاسم مضموم او مكسور وذلك لان هذه الياء والالف انما تُلْحَقان لتُبْلِغا بنات الثلاثة بسِرْداحٍ وقُِسْطاسٍ لا تزادان [5] هاهنا الاّ لهذا فلم تُشْرَكْهما الالفان اللتان للتأنيث كما لم تُشرَكا الالفين في مواضعهما وصار هذا الموضع ليس من المواضع التي تُلْحَق فيها الالفان اللّتان للتأنيث وصار لهما اذا جاءتا للتأنيث ابنية لا تُلْحَق فيها الياءُ بعد الالف * يعني الهمزة فكذلك لم تُلْحَقا في المواضع التي تُلْحَق فيها الياءُ بعد الألف * واعلم ان من العرب من يقول هذا قُوبَاءٌ كما ترى وذلك انهم ارادوا ان يُلْحِقوه بباب قُِسْطاسٍ والتذكيرُ يدلّك على ذلك والصرفُ * وامّا [10] غَوْغاء فمن العرب من يجعلها بمنزلة عَوْراءَ فيؤنّث ولا يصرف ومنهم من يجعلها بمنزلة قَضْقاضٍ فيذكِّر ويصرف ويجعل الغين والواو مضاعَفتينِ بمنزلة القاف والضاد ولا يجيء على هذا البناء الاّ ما كان مردّدا والواحدة غَوْغاء

Ch. 293 هذا باب ما لحقته نونٌ بعد الف فلم ينصرف في معرفة ولا نكرة * وذلك نحو عَطْشانَ وسَكْرانَ وعَجْلانَ واشباهها وذلك انهم جعلوا النون حيث جاءت بعد الف [15] كالف حَمْراءَ لانها على مثالها في عدّة الحروف والتحرّك والسكون وهاتان الزائدتان قد اختُصّ بهما المذكَّر ولا تُلْحَقه علامةُ التأنيث كما ان حَمْراءَ لم تؤنَّث على بناء المذكّر ولمؤنَّث سَكْرانَ بناءٌ على حِدةٍ كما كان لمذكّر حَمْراءَ بناءٌ على حِدةٍ فلمّا ضارع فَعْلاءَ هذه المضارَعةَ واشبهها فيما ذكرتُ لك أُجرى مجراها

Ch. 294 هذا باب ما لا ينصرف في المعرفة مما ليست نونُه بمنزلة الالف التي في نحو بُشْرَى [20] وما اشبهها * وذلك كلُّ نون لا تكون في مؤنّثها فَعْلَى وهي زائدة وذلك نحو عُرْيانٍ وسِرْحانٍ وإِنْسانٍ يدلّك على زيادته سَراحٌ فانما ارادوا حيث قالوا سِرْحانٌ ان يَبْلغوا به بابَ سِرْداحٍ كما ارادوا ان يَبْلغوا بمِعْزًى باب هِجْرَعٍ * ومن ذلك ضِبْعانٌ يدلّك على زيادته (Page 11) قولك الضَّبُع والضِباع * و أشباهُ هذا كثير وانما تعتبِِِِِر ازائدةٌ هي ام غير زائدة بالفعل او الجمع او مصدر او مؤنّث نحو الضَّبُع واشباه ذلك * وانما دعاهم الى ان لا يصرفوا هذا في المعرفة انّ اخِره كاخِر ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة فجعلوه بمنزلته في المعرفة كما جعلوا أَفْكَلاً بمنزلة ما لا يدخله التنوين في معرفة ولا نكرة وذلك أَفْعَلُ صفةً لانه بمنزلة [5] الفعل وكان هذه النونُ بعد الالف في الاصل لباب فَعْلانَ الذي له فَعْلَى كما كان بناءُ أَفْعَلَ في الاصل للافعال فلمّا صار هذا الذي ينصرف في النكرة في موضع يُستثقل فيه التنوين جعلوه بمنزلة ما هذه الزيادةُ له في الاصل * فاذا حقَّرتَ سِرْحانَ اسمَ رجل فقلت سُرَيْحِينٌ صرفته لان اخِره الآن لا يشبِه اخِر غَضْبانَ لانّك تقول في تصغير غَضْبانَ غُضَيْبانُ ويَصير بمنزلة غِسْلِينٍ وسِنِينٍ فيمن قال هذه سِنِينٌ كما ترى ولو كنت [10] تَدع صرف كلّ نون زائدة لتركت صرف رَعْشَنٍ ولكنك انما تدع صرف ما اخِره كاخِر غَضْبانَ كما تَدع صرف ما كان على مثال الفعل اذا كانت الزيادة في اوله فاذا قلت إِصْلِيت صرفته لانه لا يشبه الافعال فكذلك صرفت هذا لان اخِره لا يشبه اخِر غَضْبانَ اذا صغّرته وهذا قول ابي عمرو والخليل ويونس * وإذا سمّيت رجلا طَحّان او سَمّان من السَّمْن او تَبّان من التَِّبْن صرفته في المعرفة والنكرة لانها نونٌ من نفس الحرف وهي [15] بمنزلة دال حَمّادٍ * وسألتُه عن رجل يسمَّى دِهْقان فقال إن سمَّيته من التَّدَهْقُن فهو مصروف وكذلك شَيْطان إن اخذتّه من التَّشَيْطُن و النونُ عندنا في مثل هذا من نفس الحرف اذا كان له فعل تَثبت فيه النون وان جعلتَ دِهْقان من الدَّهْق وشَيْطان من شَيَّطَ لم تصرفه * وسألتُ الخليل عن رجل يسمّى مُرّانًا فقال أَصرفُه لان المُرّان انما سُمّى للِينه فهو فُعّالٌ كما يسمَّى الحُمّاض لحموضته وانما المَرانة اللِّين * وسألته عن رجل يسمَّى [20] فَيْنانًا فقال مصروف لانه فَيْعالٌ وانما يريد ان يقول لِشَعَره فُنونٌ كأفنان الشجر * وسألتُه عن دِيوانٍ فقال بمنزلة قِيراطٍ لانه من دَوّنتُ ومن قال دَيْوانٌ فهو بمنزلة بَيْطارٍ * وسألتُه عن رُمّان فقال لا اصرفُه وأحملُه على الاكثر اذا لم يكن له معنى يُعْرَف * وسألتُه عن سَعْدان والمَرْجان فقال لا أَشكُّ في ان هذه النون زائدة لانه ليس في الكلام مثل سَرْداحٍ ولا فَعْلالٍ الاّ مُضعَّفا وتفسيره كتفسير عُرْيانٍ وقصّتُه كقصّته فلو جاء شيء في (Page 12) مثال جَنْجانٍ لكانت النون عندنا بمنزلة نون مُرّانٍ الاّ ان يجيء أمرٌ مبيَّن او يَكثر في كلامهم فيَدَعوا صرفه فيُعْلَم انهم جعلوها زائدة كما قالوا غَوْغاءُ فجعلوها بمنزلة عَوْراءَ فلمّا لم يريدوا ذلك وارادوا ان لا يجعلوا النون زائدة صرفوا كما انه لو كان خَضْخاضٌ لصرفتَه وقلت ضاعفوا هذه النون يعنى في جَنْجانٍ فإن سمعناهم لم يصرفوا قلنا لم [5] يريدوا ذلك يعنى التضعيف وارادوا نونا زائدة يعنى في جَنْجانَ * واذا سمّيت رجلا حَبَنْطى او عَلْقى لم تصرفه في المعرفة وتركُ الصرف فيه كترك الصرف في عُرْيان وقصّتُه كقصّته وامّا عِلْباءٌ وحِرْباءٌ اسمَ رجل فمصروف في المعرفة والنكرة من قبل انه ليست بعد هذه الالف نون فيشبَّهَ اخِره باخِر غَضْبانَ كما شُبّه اخِر عَلْقى باخِر شَرْوَى ولا يشبِهُ اخِرَ حَمْراءَ لانه بدلٌ من حرفٍ لا يؤنَّث به كالالف وينصرف على كلّ حال فجرى عليه [10] ما جرى على ذلك الحرف وذلك الحرف بمنزلة الياء والواو اللّتين من نفس الحرف * وسألتُه عن تحقير عَلْقَى اسم رجل فقال اصرفُه كما صرفتُ سِرْحان حين حقّرتُه لان اخِره حينئذ لا يشبِه اخر ذِفْرَى * وامّا مِعْزى اسم رجل فلا يُصرَف اذا حقّرتَها اسمَ رجل من اجل التأنيث * ومن العرب من يؤنّث عَلْقَى فلا ينوِّن * وزعموا ان ناسا يذكّرون مِعْزًى زعم ابو الخطّاب انه سمعهم يقولون * [ هزج ] [15] ومِعْزًى هَدِبًا يَعلو * قِرانَ الارضِ سودانَا

Ch. 295 هذا باب هاءات التأنيث * اعلم ان كلّ هاء كانت في اسم للتأنيث فإن ذلك الاسم لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة * قلتُ فما باله انصرف في النكرة وانما هذه للتأنيث هَلاّ تُرك صرفه في النكرة كما تُرك صرف ما فيه الف التأنيث * قال من قبل ان الهاء ليست عندهم في الاسم وانما هي بمنزلة اسم ضُمَّ الى اسم فجُعلا اسما واحدا نحو [20] حَضْرَمَوْتَ الا ترى ان العرب تقول في حُبارَى حُبَيْرٌ وفي جَحْجَبَى جُحَيْجِب ولا يقولون في دَجاجةٍ الا دُجَيْجة ُ ولا في قَرْقَرةٍ الاّ قُرَيْقِرةُ كما يقولون في حَضْرَمَوْتَ حُضَيْرَمَوْتُ وفي خَمْسةَ عَشَرَ خُمَيْسةَ عَشَرَ فجُعلت هذه الهاء بمنزلة هذه الاشياء * ويدلّك على ان الهاء بهذه المنزلة انها لم تُلحِق بنات الثلاثة ببنات الاربعة قط ولا الاربعةَ بالخمسة لانها بمنزلة عَشَرَ ومَوْتَ وكَرِبَ في مَعْدِيكَرِبَ وانما تُلحَق بناءَ المذكّر ولا يُبْنَى عليها (Page 13) الاسمُ كالالف ولم يَصرفوها في المعرفة كما يَصرفوا مَعْدِيكَرِبَ ونحوه وسأبيّن ذلك ان شاء الله

Ch. 296 هذا باب ما ينصرف في المذكّر البتّة مما ليس في اخِره حرفُ التأنيث * كلُّ اسم مذكّر سُمّى بثلاثة أحرف ليس فيه حرف التأنيث فهو مصروف كائنا ما كان أَعجميّا او [5] عربيّا او مؤنّثا الاّ فُعَلَ مشتقًّا من الفعل او يكونَ في اوله زيادة فيكونَ كيَجِدُ ويَضَعُ او يكونَ كضُرِبَ لا يُشبه الاسماءَ وذلك أنّ المذكّر اشدّ تمكُّنا فلذلك كان أَحْمَلَ للتنوين فاحتُمل ذلك فيما كان على ثلاثة احرف لانه ليس شيء من الابنية اقلُّ حروفا منه فاحتَمل التنوينَ لخفّته ولتمكنه في الكلام * ولو سمّيت رجلا قَدَمًا او حَشًا صرفته فان حقّرته قلت قُدَيْمٌ فهو مصروف وذلك لاستخفافهم هذا التحقير كما استخفّوا الثلاثة لان [10] هذا لا يكون الاّ تحقير اقلّ العدد وليس محقَّرٌ اقلُّ حروفا منه فصار كغير المحقَّر الذي هو اقلُّ ما كان غيرَ محقَّر حروفا وهذا قول العرب والخليل ويونس * واعلم ان كلّ اسم لا ينصرف فإن الجرّ يَدخله اذا اضفته او ادخلتَ عليه الالف واللام وذلك انهم امِنوا التنوين واجروه مجرى الاسماء وقد اوضحتُه في اوّل الكتاب باكثرَ من هذا * وان سمّيت رجلا ببِنْتٍ او أُخْتٍ صرفته لانك بنيت الاسم على هذه التاء والحقتها ببناء الثلاثة كما [15] الحقوا سَنْبَتةً بالاربعة ولو كانت كالهاء لَما اسكنوا الحرف الذي قبلها فانما هذه التاء فيها كتاء عِفْريتٍ ولو كانت كالف التأنيث لم ينصرف في النكرة وليست كالهاء لِما ذكرتُ لك وانما هذه زيادة في الاسم بُني عليها وانصرف في المعرفة ولو ان الهاء التي في دَجاجة كهذه التاء انصرف في المعرفة * وان سميت رجلا بهَنَهْ و كانت في الوصل هَنْتٌ قلت هَنَةُ يا فتى تحرِّك النون وتُثبِت الهاء لانك لم تر مُختصّا متمكِّنا على هذه الحال التي [20] تكون عليها هَنَةُ قبل ان تكون اسمًا تُسكِن النون في الوصل وذا قليل فاذا حوّلتَه الى الاسم لزمه القياس * وان سمّيت رجلا ضَرَبَتْ قلت هذا ضرَبَهْ لا تحرِّك ما قبل هذه التاء فتوالَى اربع حركات وليس هذا في الاسماء فتجعلُها هاء وتحملها على ما فيه هاءُ التأنيث

Page 14 Ch. 297 هذا باب فُعَلٍ * اعلم ان كلّ فُعَلٍ كان اسما معروفا في الكلام او صفة فهو مصروف * فالاسماءُ نحو صُرَدٍ وجُعَلٍ وثُقَبٍ وحُفَرٍ اذا اردت جماع الحُفْرة والثُّقْبة * وامّا الصفات فنحو قولك هذا رجلٌ حُطَمٌ * قال الحُطَم القيسيّ * [رجز] قد لَفَّها الليلُ بسَوّاقٍ حُطَمْ [5] فانما صرفت ما ذكرتُ لك لانه ليس باسم يُشبِه الفعل الذي في اوله زيادة وليست في اخره زيادة تأنيث وليس بفعل لا نظير له في الاسماء فصار ما كان منه اسما ولم يكن جمعا بمنزلة حَجَرٍ ونحوه وصار ما كان منه جمعا بمنزلة كِسَرٍ وإِبَرٍ وامّا ما كان صفة فصار بمنزلة قولك هذا رجلٌ عَمِلٌ اذا اردت معنى كثير العمل * وامّا عُمَرُ وزُفَرُ فانما منعهم من صرفهما واشباههما انهما ليسا كشيء مما ذكرنا وانما هما محدودان عن البناء الذي هو أَوْلى [10] بهما وهو بناؤهما في الاصل فلمّا خالَفا بناءَهما في الاصل تركوا صرفهما وذلك نحو عامِرٍ وزافِرٍ ولا يجيء عُمَرُ واشباهُه محدودا عن البناء الذي هو اوْلى به الاّ وذلك البناء معرفة كذلك جرى في هذا الكلامُ فان قلت عُمَرٌ آخَرُ صرفته لانه نكرة فتحوِّل عن موضع عامِرٍ معرفةً وان حقّرته صرفته لان فُعَيْلاً لا يقع في كلامهم محدودا عن فُوَيْعِلٍ واشباهه كما لم يقع فُعَلٌ نكرةً محدودا عن عامِرٍ فصار تحقيرُه كتحقير عَمْرٍو كما صارت نكرتُه كصُرَدٍ [15] واشباهه و هو قول الخليل * وزُحَلُ معدول في حالة اذا اردت اسم الكوكب فلا ينصرف * وسألتُه عن جُمَعَ وكُتَعَ وقال هما معرفة بمنزله كُلُّهُمْ وهما معدولتان عن جَمْعٍ جَمْعاءَ وجمعٍ كَتْعاءَ وهما منصرفان في النكرة * وسألتُه عن صُغَر من قوله الصُّغْرَى وصُغَر فقال أَصرفُ هذا في المعرفة لانه بمنزلة ثُقْبةٍ وثُقَبٍ ولم يشبَّه بشيء محدود عن وجهه * قلتُ فما بال أُخَرَ لا ينصرف في معرفة ولا نكرة فقال لان أُخَرَ خالفت اخواتها واصلَها وانما هي [20] بمنزلة الطُّوَل والوُسَط والكُبَر لا يكنّ صفةً الاّ وفيهن الف ولام فيوصَف بهن المعرفة الا ترى انك لا تقول نسوةٌ صُغَرٌ ولا هؤلاء نسوةٌ وُسَطٌ ولا تقول هؤلاء قومٌ أَصاغِرُ فلمّا خالفت الاصل وجاءت صفة بغير الالف واللام تركوا صرفَها كما تركوا صرف لُكَع حين ارادوا يا أَلْكَعُ وفُسَق حين ارادوا يا فاسِقُ وتُرك الصرف في فُسَق هنا لانه لا يَتمكّن بمنزلة يا رَجُلُ للعدل فان حقّرتَ أُخَرَ اسمَ رجل صرفته لان فُعَيْلاً لا يكون بناءً لمحدود عن وجهه (Page 15) فلمّا حقّرت غيّرتَ البناء الذي جاء محدودا عن وجهه * وسألتُه عن أُحادَ وثُناءَ ومَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ فقال هو بمنزلة أُخَرَ انما حدُّه واحدًا واحدًا واثنيِن اثنينِ فجاء محدودا عن وجهه فتُرك صرفه قلتُ أَفتَصرفه في النكرة قال لا لانه نكرة يوصَف به نكرة وقال لي قال أبو عمرو أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ صفةٌ كانك قلت أُولي اجنحة اثنينِ [5] اثنينِ وثلاثةٍ ثلاثةٍ وتصديقُ قول ابي عمرو قول ساعدة بن جُؤَيّةَ * [ طويل ] وعاوَدَني دِيني فبِتُّ كأنّما * خِلالَ ضُلوعِ الصدر شِرْعٌ مُمَدَّدُ ثم قال ولَكِنَّما أَهْلي بِوادٍ أَنيسُه * ذِئابٌ تَبَغَّى الناسَ مَثْنَى ومَوْحَدُ فاذا حقّرتَ ثُناءَ وأُحادَ صرفته كما صرفت أُخَيْرًا وعُمَيْرًا تصغيرَ عُمَرَ وأُخَرَ اذا كان اسمَ [10] رجل لان هذا ليس هنا من البناء الذي يخالَف به الاصلُ * فان قلت ما بالُ قَالَ صُرْف اسمَ رجل وقِيلَ التي هي فُعِلَ وهما محدودان عن البناء الذي هو الاصل فليس يَدخل هذا على احد في هذا القول من قبل انك خفّفتَ فَعَلَ وفُعِلَ نفسَه كما خفّفتَ الحركة من عَلِمَ وذلك من لغة بني تميم فتقول عَلْمَ كما حذفتَ الهمزة من يَرَى ونحوِها فلمّا خفّتْ وجاءت على مثالِ ما هو في الاسماء صرفتَ وامّا عُمَرُ فليس محذوفا من عامِرٍ كما انّ مَيْتًا [15] محذوف من مَيِّتٍ ولكنه اسمٌ بُني من هذا اللفظ وخولِف به بناءُ الاصل يدلّك على ذلك انّ مَثْنَى ليس محذوفا من اثنينِ وان سمّيتَ رجلا ضُرِبَ ثم خفّفته فاسكنتَ الراء صرفتَه لانك قد أخرجته الى مثالِ ما ينصرف كما صرفتَ قِيلَ وصار تخفيفُك لضُرِبَ كتحقيرك ايّاه لانك تخرجه الى مثال الاسماء ولو تركتَ صرف هذه الاشياء في التخفيف للعدل لمَا صرفتَ اسمَ هارٍ لانه محذوف من هائِرٍ

[20] Ch. 298 هذا باب ما كان على مِثال مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ * اعلم انه ليس شيء يكون على هذا المثال الاّّ لم ينصرف في معرفة ولا نكرة وذلك لانه ليس شيء يكون واحدا يكون على هذا البناء والواحدُ اشدّ تمكنا وهو الاول فلمّا لم يكن هذا من بناء الواحد الذي هو اشدّ تمكنا وهو الاول تركوا صرفه إذ خرج من بناءِ الذي هو اشدّ تمكنا وانما صرفتَ (Page 16) مُقاتِلا وعُذافِرًا لان هذا المثال يكون للواحد * قلتُ فما بال ثَمانٍ لم يُشبِه صَحارِى وعَذارِى قال الياء في ثَمانِي ياء الاضافة ادخلتَها على فَعالٍ كما ادخلتها على يَمانٍ وشَآمٍ فصرفتَ الاسم اذ خفّفتَ كما صرفته اذ ثقّلتَ يَمانِيٌّ وشآمِيٌّ وكذلك رَباعٍ فانما الحقتَ هذه الاسماء ياءات الاضافة * قلتُ ارأيتَ صَياقِلةً واشباهها لم صُرفتْ قال من قبل ان هذه [5] الهاء انما ضُمّت الى صَياقِلَ كما ضُمّت مَوْت الى حَضْرَ وكَرِب الى مَعْدِي في قول من قال مَعْدِيكَرِبُ وليست الهاءُ من الحروف التي تكون زيادة في هذا البناء كالياء والالف في صَياقِلةٍ وكالياء الالف اللتين يُبنَى بهما الجميعُ اذا كسّرتَ الواحد ولكنها انما تجيء مضمومة الى هذا البناء كما تُضَمّ ياء الاضافة الى مَدائِنَ ومَساجِدَ بعد ما يُفرَغ من البناء فتُلحِق ما فيه الهاءُ من نحو صَياقِلةٍ بباب طَلْحةٍ وتَمْرةٍ كما تُلحِق هذا بباب [10] تَميميٍّ وقَيْسيٍّ يعني قولك مَدائِنيٌّ ومَساجِديٌّ فقد اخرجتْ هذه الياءُ مَفاعِيلَ ومَفاعِلَ الى باب تَميميٍّ كما أخرجته الهاءُ الى باب طَلْحةٍ الا ترى ان الواحد تقول له مدائِنيٌّ فقد صار يقع للواحد ويكون من اسمائه وقد يكون هذا المثال للواحد نحو رجلٍ عَباقِيَةٍ فلمّا لحقت هذه الهاءُ لم يكن عند العرب مثلَ البناء الذي ليس في الاصل للواحد ولكنه صار عندهم بمنزلة اسمٍ ضُمّ الى اسم فجُعل معه اسما واحدا فقد [15] تغيَّر بهذا عن حاله كما تغيَّر بياء الاضافة * ويقول بعضهم جَنَدِلٌ وذَلَذِلٌَ يَحذف الف جَنادِلَ وذَلاذِلَ وينوّن يجعلونه عوضا من هذا المحذوف * واعلم انك اذا سمّيت رجلا مَساجِدَ ثم حقّرته صرفته لانك قد حوّلت هذا البناءَ * وان سمّيته حَضاجِرَ ثم صغّرته صرفته لانها انما سمِّيتْ بجمع الحِضَجْر سمعنا العرب يقولون أَوْطُبٌ حَضاجِرُ وانما جُعل هذا اسما للضَّبُع لسعة بطنها * وامّا سَراوِيلُ فشيء واحد وهو أَعجميّ أُعرب [20] كما أُعرب الآجُرُّ الاَّ ان سَراويلَ أَشبهَ من كلامهم مالا ينصرف في نكرة ولا معرفة كما اشْبَه بَقَّمُ الفعلَ ولم يكن له نظير في الاسماء فان حقّرتها اسمَ رجل لم تصرفها كما لا تَصرف عَناقَ اسمَ رجل * وامّا شَراحِيلُ فتحقيره ينصرف لانه عربي ولا يكون الاّ جماعا * وامّا أَجْمالٌ وفُلوسٌ فانها تنصرف وما اشبهها لانها ضارعت الواحدَ الا ترى انك تقول أَقْوالٌ وأَقاوِيلُ وأَعْرابٌ وأَعاريبُ وأَيْدٍ وأَيادٍ فهذه الاحرفُ تُخرَج الى مثال مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ (Page 17) اذا كُسّر للجمع كما يُخرَج اليه الواحد اذا كُسّر للجمع * وامّا مَفاعِلُ ومَفاعِيلُ فلا يكسَّر فيُخرَجَ الجمعُ الى بناءٍ غير هذا لان هذا البناء هو الغاية فلمّا ضارعت الواحدَ صُرفتْ كما ادخلوا الرفعَ والنصب في يَفْعَلُ حين ضارع فَاعِلاً وكما تُرك صرف أَفْعَلَ حين ضارع الفعلَ * فكذلك الفُعول لو كُسّرتْ مثلُ الفُلوس لان تُجْمَع جمعا لأُخرج الى فَعائِلَ كما [5] تقول جَدودٌ وجَدائدُ ورَكوبٌ ورَكائِبُ ولو فعلتَ ذلك بمَفاعِلَ ومَفاعِيلَ لم تُجاوِز هذا ويقوِّي ذلك ان بعض العرب يقول أُتِيٌ للواحد فيضمُّ الالف * وامّا أَفْعالٌ فقد يقع للواحد من العرب من يقول هو الأَنْعامُ وقال الله عزّ وجلّ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ وقال ابو الخطّاب سمعتُ العرب يقولون هذا ثوبٌ أَكْياشٌ ويقال سُدوسٌ لضرب من الثياب كما تقول جُدورٌ ولم يكسَّر عليه شيء كالجُلوس والقُعود * وامّا بَخاتِيُّ فليس بمنزلة [10] مَدائنيٍّ لانك لم تُلحِق هذه الياء بَخاتٍ للاضافة ولكنها التي كانت في الواحد اذا كسّرتَه للجمع فصارت بمنزلة الياء في حِذْرِيةٍ اذا قلت حَذارٍ وصارت هذه الياء كدال مَساجِدَ لانها جرت في الجمع مجرى هذه الدال لانك بنيت الجمع بها فلم تُلحقها بعد فراغ من بنائها * وقد جعل بعضُ الشعراء ثَمانِيَ بمنزلة حَذارٍ حدّثني ابو الخطّاب انه سمع العرب ينشدون هذا البيت غير منوَّن قال * [ كامل ] [15] تَحْدُو ثَمانِيَ مُولَعًا بلَقاحِها * حتى هَمَمْنَ بزَيْغةِ الإِرْتاجِ واذا حقّرتَ بَخاتيَّ اسمَ رجل صرفته كما صرفتَ تحقير مَساجِدَ * وكذلك صَحارٍ فيمن قال صُحَيِّرٌ لانه ليس ببناء جمع * وامّا ثَمانٍ اذا سمّيت به رجلا فلا تُصرَف لانها واحدة كعَناقٍ وصَحارٍ جمعٌ كعُنوقٍ فاذا ذهب ذلك البناءُ صرفته وياءُ ثَمانٍ كياء قُمْرِيٍّ وبُخْتِىٍّ لحقتْ كلحاق ياء يَمانٍ وشَآمٍ وان لم يكن فيهما معنى اضافة الى بلد ولا الى اب كما لم [20] يكن ذلك في بُخْتِيٍّ * ورَباعٍ بمنزلته وأُجري مجري سُداسِيٍ * وكذلك حَوارِيٌ * وامّا عَوارِيُّ وعَوادِيُّ وحَوالِيُّ فانه كُسّر عليه حَوْلِيٌّ وعادِيٌّ وعارِيّةٌ وليست ياءً لحقت حَوالٍ

Ch. 299 هذا باب تسمية المذكَّر بجمع الاثنين والجميع الذي تُلحِق له الواحدَ واوا ونونا * (Page 18) فاذا سميت رجلا برَجُلَيْنِ فانّ أَقيسَه واجودَه ان تقول هذا رَجُلانِ ورأيتُ رَجُلَيْنِ ومررتُ برَجُلَيْنِ كما تقول هذا مُسْلِمُونَ ورأيتُ مُسْلِمِينَ ومررتُ بمُسْلِمينَ فهذه الياءُ والواو بمنزلة الياء والالف * ومثل ذلك قول العرب هذه قِنَّسْرونَ وهذه فِلَسْطونَ * ومن النحويّين من يقول هذا رَجُلانُ كما ترى يجعله بمنزلة عُثْمانَ * وقال الخليل من قال [5] هذا قال مُسْلِمِينٌ كما ترى جعله بمنزلة قولهم سِنِينٌ كما ترى وبمنزلة قول بعض العرب فِلَسْطِينٌ وقِنَّسْرِينٌ كما ترى * فان قلت هلاّ تقول هذا رَجُلَيْن تَدع الياء كما تركتَها في مُسْلِمِين فانه انما منعهم من ذلك انّ هذه لا تُشبِه شيئا من الاسماء في كلامهم ومُسْلِمِينٌ مصروف كما كنتَ صارفا سِنِينًا * وقال في رجل اسمُه مُسْلماتٌ او ضَرَباتٌ هذا ضَرَباتٌ كما ترى ومُسْلِماتٌ كما ترى * وكذلك المرأة لو سمّيتها بهذا انصرفت وذلك أن [10] هذه التاء لمّا صارت في النصب والجرّ جرًّا أَشبهتْ عندهم الياءَ التي في مُسْلِمِينَ والياءَ التي في رَجُلَيْنِ وصار التنوين بمنزلة النون الا ترى الى عَرَفَاتٍ مصروفةً في كتاب الله عزّ وجلّ وهي معرفةٌ الدليل على ذلك قول العرب هذه عَرَفاتٌ مبارَكًا فيها ويدلّك أيضا على معرفتها انك لا تُدخِل فيها الفا ولاما وانما عَرَفاتٌ بمنزلة أَبانَيْنِ وبمنزلة جمع * ومثل ذلك أَذْرِعاتٌ سمعنا اكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس * [ طويل ] [15] تَنوّرْتُها من أَذْرِعاتٍ واهلُها * بيَثْرِبَ أَدْنَى دارِها نَظَرٌ عالِ ولو كانت عَرَفات نكرة لكانت اذاً عَرَفات في غير موضع * ومن العرب من لا ينوّن أَذْرِعات ويقول هذه قُرَيْشِيّاتُ كما ترى شبّهوها بهاء التأنيث لان الهاء تجيء للتأنيث ولا تُلحِق بنات الثلاثة بالاربعة ولا الاربعةَ بالخمسة * فان قلت كيف تشبّهها بالهاء وبين التاء وبين الحرف المتحرّك الف فانّ الحرف الساكن عندهم ليس بحاجز حصين [20] فصارت التاء كانها ليس بينها وبين الحرف المتحرّك شيء الا ترى انك تقول أَقْتُلُ فتَتبع الالفَ التاء كأنه ليس بينهما شيء وسترى أشباهَ ذلك ان شاء الله

Ch. 300 هذا باب الاسماء الأَعْجَميّة * اعلم ان كلّ اسم أَعجمي أُعرب وتَمكّن في الكلام فدخلته الالف واللام وصار نكرة فانك اذا سمّيت به رجلا صرفته الاّ ان يمنعَه من (Page 19) الصرف ما يمنع العربيّ * وذلك نحو اللِّجام والدِّيباج واليَرَنْدَج والنَّيْرُوز والفِرِنْد والزَّنْجبيل والأَرَنْدَج والياسِمين فيمن قال ياسمينٌ كما ترى والسّهْريز والآجُرّ * فان قلت أَدَعُ صرف الآجُرّ لانه لا يشبه شيئا من كلام العرب فإنه قد أُعرب وتمكّن في الكلام وليس بمنزلة شيء تُرك صرفُه من كلام العرب لانه لا يشبه الفعل وليس في اخِره زيادة وليس من [5] نحو عُمَرَ وليس بمؤنّث وانما هو بمنزلة عربيٍّ ليس له ثان في كلام العرب نحو إِبِل وكُدتَّ تَكادُ واشباه ذلك * وامّا إِبراهيمُ وإِسْماعيلُ وإِسْحاقُ ويَعْقوبُ وهُرْمُزُ وفَيْروزُ وقارونُ وفِرْعَوْنُ واشباه هذه الاسماء فانها لم تقع في كلامهم الاّ معرفة على حدّ ما كانت في كلام العجم ولم تمكَّن في كلامهم كما تمكّنَ الاوّلُ ولكنها وقعت معرفة ولم تكن من اسمائهم العربية فاستنكروها ولم يجعلوها بمنزلة اسمائهم العربية كنَهْشَلٍ وشَعْثَمٍ ولم يكن شيء منها قبل [10] ذلك اسما يكون لكلّ شيء من امّةٍ فلمّا لم يكن فيها شيء من ذلك استنكروها في كلامهم * واذا حقّرت اسما من هذه الاسماء فهو على عُجْمته كما ان العَناق اذا حقّرتها اسمَ رجل كانت على تأنيثها * وامّا صالحِ فعربيّ * وكذلك شُعَيْب * وامّا هُودٌ ونُوح ولُوطٌ فتنصرف على كلّ حال لخفّتها

Ch. 301 هذا باب تسمية المذكَّر بالمؤنَّث * اعلم ان كلّ مذكّر سّميتَه بمؤنّث على اربعة [15] احرف فصاعدا لم ينصرف وذلك أن اصل المذكّر عندهم ان يسمَّى بالمذكّر وهو شكلُه والذي يلائمه فلمّا عدلوا عنه ما هو له في الاصل وجاءوا بما لا يلائمه ولم يكن منه فعلوا ذلك به كما فعلوا ذلك بتسميتهم ايّاه بالمذكّر وتركوا صرفه كما تركوا صرف الأَعجمي فمن ذلك عَناقُ وعَقْربُ وعُقابُ وعَنْكَبوتُ واشباه ذلك * وسألتُه عن ذِراع فقال ذِراع كثر تسميتُهم به المذكّر وتمكّنَ في المذكّر وصار من اسمائه خاصّة عندهم ومع هذا أنهم [20] يصفون به المذكّر فيقولون هذا ثوبٌ ذِراعٌ فقد تمكّنَ هذا الاسمُ في المذكّر * وامّا كُراع فان الوجه تركُ الصرف ومن العرب من يصرفه يشبّهه بذِراع لانه من اسماء المذكّر وذلك اخبثُ الوجهين * وان سمّيت رجلا ثَمانِيَ لم تصرفه لان ثَمانِيَ اسم لمؤنّث كما انك لم تصرف رجلا اسمه ثَلاث لان ثلاثا كعَناقٍ * ولو سمّيت رجلا حُبارَى ثم حقّرته فقلت (Page 20) حُبَيِّرُ لم تصرفه لانك لو حقّرت الحُبارَى نفسَها فقلت حُبَيِّرٌ كنتَ انما تَعني المؤنّث فالياءُ اذا ذهبت فانما هي مؤنّثة كعُنَيِّقٍ * واعلم انك اذا سمّيت المذكّر بصفة المؤنّث صرفته وذلك ان تسِّمى رجلا بحائضٍ او طامِثٍ او مُتْئِمٍ فزَعم انه انما يصرف هذه الصفات لانها مذكّرة وُصف بها المؤنّث كما يوصَف المذكّر بمؤنّث لا يكون الاّ لمذكّر وذلك نحو [5] قولهم رجلٌ نُكَحَةٌ ورجلٌ رَبْعةٌ ورجل خُجَأَةٌ فكانّ هذا المؤنّث وصفٌ لسِلْعة او لعَيْن او لنَفْس وما اشبه هذا وكانّ المذكّر وصف لشيء فكانك قلت هذا شيءٌ حائضٌ ثم وصفتَ به المؤنّث كما تقول هذا بَكْرٌ ضامِرٌ ثم تقول ناقةٌ ضامِرٌ * وزعم الخليل ان فَعولاً ومِفْعالاً انما امتَنعا من الهاء لانهما انما وقعا في الكلام على التذكير ولكنه يوصَف به المؤنّث كما يوصَف بعَدْلٍ وبرِضًى * فلو لم تَصرف حائِضًا لم تصرف رجلا يسمَّى قاعِدًا اذا اردت [10] القاعدَ من الزوج ولم تكن لتصرف رجلا يسمَّى ضارِبًا اذا اردت صفة الناقة الضارِبِ ولم تصرف ايضا رجلا يسمَّى عاقِرًا فانّ ما ذكرتُ لك مذكّر وُصف به مؤنّث كما انّ ثَلاثةٌ مؤنَّثٌ لا يقع الاّ لمذكَّرينَ * ومما جاء مؤنّثا صفةً تقع للمذكّر والمؤنّث هذا غلامٌ يَفَعةٌ وجاريةٌ يَفَعةٌ وهذا رجلٌ رَبْعةٌ وامرأة رَبْعةٌ * فامّا ما جاء من المؤنّث لا يقع الاّ لمذكّر وصفا فكانه في الاصل صفة لسِلْعة او نفسٍ كما قال لا يَدخل الجنّةَ الاّ نفسٌ مُسْلِمةٌ كَمالاً [15] يقول الاّ نفسٌ مسلمةٌ والعَيْنُ عينُ القوم وهو رَبيئتُهم كما كان الحائض في الاصل صفة لشيء وان لم يستعملوه كما ان أَبْرَقُ في الاصل عندهم وصفٌ وأَبْطَحُ وأَجْرَعُ وأَجْدَلُ فيمن ترك الصرف وان لم يستعملوه واجروه مجرى الاسماء * وكذلك جَنوبٌ وشَمالٌ وحَرورٌ وسَمومٌ وقَبولٌ ودَبورٌ اذا سمّيت رجلا بشيء منها صرفته لانها صفات في اكثر كلام العرب سمعناهم يقولون هذه ريحٌ حَرورٌ وهذه ريحٌ شَمالٌ وهذه الريحُ الجَنوبُ وهذه ريحٌ سَمومٌ وهذه [20] ريحٌ جَنوبٌ سمعنا ذلك من فصحاء العرب لا يعرفون غيره * قال الاعشى * [ متقارب ] لها زَجَلٌ كحَفيفِ الحَصا * دِ صادَفَ بالليل رِيحًا دَبورَا ويُجعَل اسما وذلك قليل قال الشاعر * [ كامل ] حالتْ وحِيلَ بها وغَيَّرَ آيَها * صرفُ البِلَى تَجري به الرِّيحانِ ريحُ الجَنوبِ مع الشَّمال وتارةً * رِهَمُ الرَّبيع وصائبُ التَّهْتانِ (Page 21) فمن جعلها اسماءً لم يصرف شيئا منها اسمَ رجل وصارت بمنزلة الصَّعود والهَبوط والحرور والعَروض * واذا سمّيت رجلا بسُعادَ او زَيْنَبَ او جَيْأَلَ وتقديرها جَيْعَلُ لم تصرفه من قبل ان هذه اسماءٌ تمكّنت في المؤنّث واختَصّ بها وهي مشتقّة وليس شيء منها يقع على شيء مذكّر كالرَّباب والثَّواب والدَّلال فهذه الاشياءُ مذكّرة وليست سُعادُ واخواتها [5] كذلك ليست باسماء للمذكّر ولكنها اشتُقّت فجُعلت مختصّا بها المؤنّثُ في التسمية فصارت عندهم كعَناق * وكذلك تسميتك رجلا بمثل عُمانَ لانها ليست بشيء مذكّر معروف ولكنها مشتقّة لم تقع الاّ عَلَما لمؤنّث وكان الغالبُ عليها المؤنّثَ فصارت عندهم حيث لم تقع الاّ لمؤنّث كعَناق لا تُعرَف الاّ عَلَما لمؤنّث كما ان هذه مؤنّثة في الكلام * فان سمّيت رجلا برَبابٍ او دَلالٍ صرفته لانه مذكّر معروف * واعلم انك اذا سمّيت رجلا [10] خُروقًا او كِلابا او جِمالا صرفته في النكرة والمعرفة وكذلك الجِماعُ كلُّه الا تراهم صرفوا أَنْمارًا وكِلابا وذلك أن هذه تقع على المذكّر وليس يُختصّ به واحدُ المؤنّث فيكونَ مثله الا ترى انك تقول هم رِجالٌ فتذكِّر كما ذكّرتَ في الواحد فلمّا لم تكن فيه علامة التأنيث وكان يُخرَج اليه المذكّر ضارع المذكّرَ الذي يوصَف به المؤنّث وكان هذا مستوجِبا للصرف اذ صُرف ذِراعٌ وكُراعٌ لما ذكرتُ لك * فان قلتَ ما تقول في رجل يسمَّى بعُنوق [15] فإن عُنوقا بمنزلة خُروقٍ لان هذا التأنيث هو التأنيث الذي يُجمَع به المذكّر وليس كتأنيث عَناق ولكن تأنيثه تأنيث الذي يَجمع المذكَّرينَ وهذا التأنيث الذي في عُنوقٍ تأنيث حادِث فعُنوقٌ البناءُ الذي يقع للمذكّرين والمؤنّثُ الذي يَجمع المذكّرين * وكذلك رجل يسمَّى نِساءً لانها جمعُ نِسْوةٍ * فامّا الطاغُوتُ فهو اسم واحدٌ مؤنّث يقع على الجميع كهيئة للواحد وقال عزّ وجلّ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا * [20] وامّا ما كان اسما لجمع مؤنّث لم يكن له واحدٌ فتأنيثه كتأنيث الواحد لا تصرفه اسمَ رجل نحو إِبِل وغَنَم لانه ليس له واحد * يعني انه اذا جاء اسما لجمع ليس له واحد كُسّر عليه فكان ذلك الاسمُ على اربعة احرف لم تصرفه اسمًا لمذكّر

Ch. 302 هذا باب تسمية المؤنّث * اعلم ان كلّ مؤنّث سمّيته بثلاثة احرف متوالٍ منها (Page 22) حرفان بالتحرّك لا ينصرف * فان سمّيته بثلاثة احرف فكان الاوسطُ منها ساكنا وكانت شيئا مؤنّثا او اسما الغالبُ عليه المؤنّثُ كسُعاد فانت بالخيار ان شئت صرفته وان شئت لم تصرفه وتركُ الصرف اجود وتلك الاسماء نحو قِدْر وعَنْز ودَعْد وجُمْل ونُعْم وهِنْد * وقد قال الشاعر فصرف ذلك ولم يصرفه * [ منسرح ] [5] لم تَتَلَفَّعْ بفَضْلِ مِئْزَرِهـا * دَعْدٌ ولم تُغْذَ دَعْدُ في العُلَبِ فصرف ولم يصرف * وانما كان المؤنّث بهذه المنزلة ولم يكن كالمذكّر لان الاشياء كلّها اصلُها التذكير ثم تُختصّ بعدُ فكلُّ مؤنّث شيءٌ والشيءُ يذكَّر فالتذكير اوّل وهو اشدّ تمكّنا كما ان النكرة هي اشدّ تمكّنا من المعرفة لان الاشياء انما تكون نكرةً ثم تعرَّف فالتذكير قبلُ وهو اشدّ تمكّنا فالاوّل اشدّ تمكّنا عندهم فالنكرة تعرَّف بالالف واللام [10] والاضافة وبأن يكون عَلَما والشيءُ يُختصّ بالتأنيث فيُخرَج من التذكير كما يُخرَج المنكورُ الى المعرفة * فان سمّيت المؤنّث بعَمْرو او زَيْد لم يجز الصرف هذا قول ابي اسحاق وابي عمرو فيما حدّثنا يونس وهو القياس لان المؤنّث اشدّ مُلاءَمةً للمؤنّث والاصل عندهم ان يسمَّى المونّث بالمؤنّث كما ان اصل تسمية المذكّر بالمذكّر وكان عيسى يصرف امرأةً اسمها عمرو لانه على اخفّ الابنية


Up to Chapters 1-7 | Up to Chapters 285-302

Search Text

Chapters 565-571

Unformatted version of Derenbourg, showing (Chapter), Page and [Line] numbers as links in blue.

Clicking on a (Chapter) takes you to the Base Text at that Chapter.

Clicking on a [Line] or Page takes you to that line or page in Derenbourg (vol. 2), as this will make it easier to locate a specific item.

Clicking on the Golden Book icon takes you to the corresponding Reference Bar in the Base Text. This icon is not supplied at Chapter Headings, which are already linked to the start of the Base Text by their Chapter numbers.

NB There are no return links to this document: use the Back Button

Ch. 565 * هذا باب الإدغام * هذا باب عدد الحروف العربيّة ومَخارجها مهموسِها ومجهورِها وأحوالِ مجهورِها ومهموسِها واختلافِها *
فاصلُ حروف العربيَة تسعة وعشرون [5] حرفا المهزة والالف والهاء والعَيْن والحاء والغَيْن والخاء والكاف والقاف والضاد والجِيم والشِّين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاىُ والسِّين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والواو وتكون خمسةً وثلاتين حرفا بحروفٍ هنّ فُروعٌ واصلُها من التسعة والعشرين وهي كثيرة بؤخَذ بها وتُستحسَن فى قراءة القرآن والأشعار وهى [10] النون الخفيفة والهمزة التى بَيْنَ بَيْنَ والالف التى تُمال إمالةً شديدة والشِّين التى كالجيم والصاد التى تكون كالزاى والفُ التفخيم يعنى بلغة اهل الهجاز فى قولهم الصَّلوة والزَّكوة والحَيوة 1 وتكون اثنين واربعين حرفا بحروفٍ غيرِ مستحسَنة ولا كثيرةٍ فى لغة من تُرْتَضَى عربيّته ولا تُستحسن فى قراءة القرآن ولا فى الشعر وهى الكاف التى بين الجيم والكافِ والجيمُ التى كالكافِ والجيم التى كالشِّين والضاد [15] الضعيفة والصاد التى كالسين والطاء التى كالتاء والظاء التى كالثاء والباء التى كالفاء وهذه الحروفُ التى تمّمتَها اثنين واربعين جيّدُها ورَدِيئُها اصلُها التسعة والعشرون لا تُتبيَّن الاّ بالمشافهة الاّ أنّ الضاد الضعيفة تُتكلَّف من الجانب الأيمن وان شئت تكلّفتَها من الخانب الأيسر وهو اخفّ لانّها من حافة اللسان مطبَقةٌ لانّك جمعت فى الضاد تكلُّف الإطباق مع إزالته عن موضعه وانما جاز هذا فيها لانّك [20] تحوِّلها من اليسار الى الموضع الذي فى اليمين وهي اخفُّ لانّها من حافة اللسان وأنّها مُخالِط (Page 453) مُخْرَجَ غيرها بعد خروجها فتَستيلُ حين تُخالِط حروفَ اللسان فسهُل تحويلُها الى الأيسر لأنَّها تصير فى حافة اللسان فى الأيسر الى مثل ما كانت فى الأيمن ثم تَنسلُّ من الأيسر حتَّى تَتّصل بحروف اللسان كما كانت كذلك فى الأيمن 2 ولحروف العربية ستةَ عَشَرَ مُخْرَجا فللحَلْق منها ثلاتةٌ فأقصاها مُخْرَجا الهمزةُ والهاء والألف ومن أَوسطِ [5] الحلق مُخْرَجُ العين والحاء وأدناها مُخْرَجا من الفَمِ الغينُ والخاء ومِن أقصى اللسان وما فوقه من الحَنَك الأعلى مُخْرَجُ القاف ومن أسفلَ من موضع القاف من اللسان قليلا وممّا يليه من الحَنَك الأعلى مُخْرَجُ الكاف ومن وَسَطِ اللسان بينه وبين وَسَط الحَنَك الأعلى مُخْرَجُ الجيم والشين والياء ومِن بين أوَّلِ حافة اللسان وما يَليها من الأضراس مُخْرَجُ الضاد ومن حافة اللسان من أدناها الى منتهَى طَرَفِ اللسان ما [10] بينها وبين ما يَليها من الحَنَك الأعلى وما فُوَيْقَ الضاحِك والنابِ والرَّباعِيَةِ والثَّنِيّةِ مُخرَج اللام ومِن طَرَفِ اللسان بينه وبين ما فُوَيْقَ الثَّنايا مُخْرَج النون ومن مُخْرَجُ النون غيرَ أنّه أدخلُ فى ظهر اللسان قليلا لانحرافِه الى اللام مُخْرَجُ الراء وممَّا بين طَرَف اللسان واصولِ الثَّنايا مُخْرَجُ الطاء والدال والتاء وممَّا بين طَرَف اللسان وفُوَيْقَ الثَنايَا مُخْرَجُ الزاى والسين والصاد وممَّا بين طَرَف اللسان وأطرافِ الثَّنايَا مُخْرَجُ الظاء [15] والذال والثاء ومن باطِنِ الشَّفةِ السُّفْلَى وأطرافِ الثَّنايا العُلَى مُخْرَجُ الفاء وممّا بين الشَّفَتينِ مُخْرَجُ الباء والميم والواو ومن الخَياشِيم مُخْرَجُ النون الخفيفة 3 فامَّا المجهورة فالهمزة والالف والعين والغين والقاف والجيم والياء والضاد واللام والنون والراء والطاء والدال والزاى والظاء والذال والباء والميم والواو فذلك تسعة عشر حرفا وامَّا المهموسة فالهاء والحاء والخاء [20] والكاف والشين والسين والتاء والصاد والثاء والفاء فذلك عشرةُ احرف فالمجهورةُ حرفٌ أُشْبِعَ الاعتمادُ فى موضعه ومَنَعَ النَّفَسَ أن يَجرى معه حتّى يَنقضى الاعتمادُ عليه ويجرى الصوتُ فهذه حالُ المجهورة فى الحَلْق والفَم الاّ أنّ (Page 454) النون والميم قد يُعتمَد لهما ف الفَم والخياشيم فتَصيرَ فيهما غُنَّةٌ والدليل على ذلك أنّك لو أمسكتَ بأَنفك ثمّ تكلَّمت بهما لرأيتَ ذلك قد أخَلَّ بهما وامّا المهموس فحرفٌ أُضْعِفَ الاعتمادُ فى موضعه حتّى جرى النَّفسُ معه وأنت تعرف ذلك اذا اعتَبرتَ فرددتَّ الحرف مع جَرْىِ النَّقس ولو أردتَّ ذلك فى المجهورة لم تَقدر عليه فاذا [5] اردتَّ إجراء الحروف فأنت تَرفع صوتك إن شئت بحروف اللِّين والمدّ أو بما فيها منها وان شئت أخفيتَ 4 ومن الحروف الشَّديدُ وهو الذى يَمنع الصوت ان يَجرى فيه وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء وذلك أنّك لو قلت الْحَجْ ثم مددتَّ صرتك لم يَجرِ ذلك ومنها الرِّخْوَة وهى الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والضاد والزاى والسين [10] والظاء والثاء والذال والفاء وذلك اذا قلت اَلطَّسْ واِنْقَض وأشباه ذلك أجريتَ فيه الصوت ان شئت وامَا العين فبينَ الرِّخْوَة والشديدة تَصل الى الترديد فيها لشَبَهها بالحاء ومنها المُنْحَرِف وهو حرفٌ شديد جرى فيه الصوتُ لانحراف اللسان مع الصوت ولم يَعترض على الصوت كاعتراض الحروف الشديدة وهو اللام وان شئت مددتَّ فيها الصوت وليس كالرِّخوة لأنّ طَرَف اللسان لا يَتجافَى عن [15] موضعه وليس يَخرج الصوت من موضع اللام ولكن من ناحِيتَيْ مُسْتَدَقِّ اللسان فُوَيْقَ ذلك ومنها حرفٌ شديد يجرى معه الصوتُ لأنّ ذلك الصوت غُنَّةٌ من الانف فانما تُخرِجه من أنفك واللسانُ لازمٌ لموضع الحرف لأنّك لو أمسكت بأنفك لم يَجر معه الصوتُ وهو النون وكذلك الميم ومنها المكرَّرُ وهو حرف شديد يجرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه الى اللام فتَجافَى للصوت كالرِّخوة ولو لم يكرَّر لم يَجر الصوتُ فيه [20] وهو الراء ومنها الَّيّنة وهى الواو والياء لأنّ مٌخْرَجهما يَتّسع لهواء الصوت أشَدَّ من اتّساع غيرهما كقولك وأىٌ والواو وإن شئت اجريتَ الصوت ومددتَّ ومنها الهاوِى وهو حرفُ لِينٍ اتَّسع لهواء الصوت مُخْرَجُه أشدَّ من اتَساع مُخْرَج الياء والواو لانّك قد (Page 455) تَضم شَفَتَيْك فى الواو وتَرفع فى الياء لسانك قِبَل الحَنَك وهى الألف وهذه الثلاثةُ أَخْفَى الحروف لاتّساع مُخْرجها وأخفاهنّ وأوسعُهنّ مُخْرَجًا الالفُ ثم الياء ثم الواو 5 ومنها المُطبَقة والمُنفتِحة فامّا المُطبَقة فالصاد والضاد والطاء والظاء والمُنفتِحة كلُّ ما سِوَى ذلك من الحروف لأنّك لا تُطبِِقُ لشىء منهنّ لسانَك تَرفعه الى [5] الحَنَك الأعلى وهذه الحروفُ الأربعةُ اذا وضعت لسانك فى مواضعهنّ انطبق لسانُك من مواضعهنّ الى ما حاذَى الحَنَكَ الاعلى من اللسان تَرفعه الى الحَنَك فاذا وضعتَ لسانك فالصوتُ مَحصورٌ فيما بين اللسان والحَنَك الى موضع الحروف وامَّا الدال والزاى ونحوُهما فانما يَنحصر الصوتُ اذا وضعت لسانك فى مواضعهنّ فهذه الأربعةُ لها موضعان من اللسان وقد بُيّن ذلك بحَصْرِ الصوت ولولا الإطباق لصارت الطاءُ دالا [10] والصادُ سينًا والظاء ذالا ولخرجتِ الضادُ من الكلام لأنه ليس شىءٌ من موضعهَا غيرُها 6 وانما وصفتُ لك حروفَ المُعْجَم بهذه الصفات لتَعرف ما يَحسن فيه الإدْغام وما يجوز فيه وما لا يَحسن فيه ذلك ولا يجوز فيه وما تُبدِله استثقالا كما تُدغِم وما تُخفيه وهو بزنة المتحرِّك

Ch. 566 هذا باب الإدْغام فى الحرفين اللذينِ تَضع لسانَك لهما موضعا واحدا لا يَزول [15] عنه
وقد بينّا أمرهما اذا كانا من كلمة لا يَفترقان وانما نبيِّنهما فى الانفصال فاحسنُ ما يكون الإدْغامُ فى الحرفين المتحرِّكين اللّذين هما سَواءٌ اذا كانا منفصلين أن تَتوالى خمسةُ أحرف متحرِّكة بِهما فصاعدًا الا ترى انّ بناتِ الخمسة وما كانت عِدّتُه خمسةً لا تَتوالى حروفُها متحرِّكةَ استثقالا للمتحرِّكات مع هذه العدّة ولا بُدَّ من ساكن وقد تَتوالى الأربعةُ متحرِّكةً فى مثل عُلَبِطٍ ولا يكون ذلك فى غير المحذوف وممَّا [20] يدلُّك على انّ الإدْغام فيما ذكرتُ لك احسنُ أنّه لا تَتوالى فى تأليف الشِّعْر خمسةُ احرف متحرّكة وذلك نحو قولك جَعَل لَّك وفَعَل لَّبِيدٌ والبيانُ فى كلّ هذا عربىّ جيّد حِجازىٌّ ولم يكن هذا بمنزلة قدَّ واِحْمَرَّ ونحوِ ذلك لانّ الحرف المنفصل لا يَلزمه
(Page 456) ان يكون بعده الذى هو مثلُه سَواءً 7 فإن كان قبل الحرف المتحرّك الذى وقع بعده حرفٌ مثلُه حرفٌ متحرّك ليس الاّ وكان بعد الذى هو مثلُه حرف ساكنٌ حسُن الإدْغام وذلك نحو قولك يَد دَّاوُدَ لانّه قصد ان يقع المتحرِّكُ بين ساكنين واعتدالٌ منه وكلّما توالت الحركاتُ اكثرَ كان الإدْغامُ احسنَ وان شئت بيَّنت وإذا التَقى [5] الحرفان المِثْلان اللّذان هما سَواءٌ متحرّكين وقبل الاوّل حرفُ مدٍّ فإنَّ الإدْغام حسَنٌ لاَنّ حرف المدّ بمنزلة متحرِّك فى الإدْغام الا تراهم فى غير الانفصال قالوا رادٌّ وتُمودَّ الثوبُ وذلك قولك إنّ المال لَّك وهم يَظْلِمُونِّى وهما يُظْلِمانِّى وأنت تَظْلِمينِّى والبيان هاهنا يَزْدادُ حُسْنًا لسكون ما قبله وممّا يدلُّك على أنّ حرف المدّ بمنزلة متحرِّك أنّهم اذا حذفوا فى بعض القوافى لم يجز أن يكون ما قبل المحذوف اذا حذف الاخِرُ الاّ حرفُ مدٍّ [10] ولينٍ كانّه يُعوَّض ذلك لانّه حرفٌ مَمْطولٌ 8 واذا كان قبل الحرف المتحرِّك الذى بعده حرفٌ مثلُه سَواءٌ حرفٌ ساكن لم يجز ان يُسكَّن ولكنّك ان شئت أَخفيتَ وكان بزنته متحرِّكا من قِبَل انّ التضعيف لا يَلزم فى المنفصل كما يَلزم فى مُدُقٍّ ونحوِه ممَّا التضعيف فيه غير منفصل الا ترى انَه قد جاز ذلك وحسُن أن تبيِّن فيما ذكرنا من نحو جَعَلَْ لَّكَ فلمّا كان التضعيفُ لا يَلزم لم يَقو عندهم أن يغيَّر له البناءُ وذلك قولك ابنُ [15] نُوحٍ واسمُ مُوسى لا تُدغِم هذا فلو انَهم كانوا يحرِّكون لحذفوا الألف لانّهم قد استَغنوا عنها كما قالوا قِتَّلوا وخِطَّفَ فلم يَقو هذا على تغيير البناء كما لم يقو على أن لا يجوز البيان فيما ذكرتُ لك

وممَّا يدلُك على انّه يُخْفَى ويكون بزنة المتحرِّك قول الشاعر [ طويل ]

إنِّى بِمَا قد كَلَّفَتْنى عَشِيرتى * مِن الذّبّ عن أعْراضِها لَحَقِيقُ

[20] وقال غَيلان بن حُرَيْثٍ [ رجز ]

وامتاحَ مِنِّى حَلَباتِ الهاجِمِ * شَأوُ مُدِلٍّ سابِقِ اللهامِمِ

وقال أيضًا [ رجز ]

وغيرُ شُفْعٍ مُثَّلٍ يَحامِمِ

9 (Page 457) فلو أُسكن فى هذه الاشياء لانكسر الشعرُ ولكنّا سمعناهم يُخْفون ولو قال إنِّى مَّا قد كلَّفَتْنى فأسكن الباءَ وأدغمها فى الميم فى الكلام لجاز لحرف المدِّ فامّا اللَّهامِم فإنَّه لا يجوز فيها الإسكان ولا فى القَرادِدِ لانّ قَرْدَدًا فَعْلَلٌ ولِهمِمًا فِعْلِلٌ ولا يُدغَم فيُكرَه ان يجىء جمعُه على جمع ما هو مُدغَم واحدهُ وليس ذلك فى إنِّى بِمَا ولكنَّك ان شئت [5] قلت قَرادِدُ فأخفيتَ ، كما قالوا مُتَعَفِّفٌ فيُخفَى ولا يكون فى هذا إدْغامٌ وقد ذكرنا العِلّة وامّا قول بعضهم فى القراءة إنَّ آللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ فحرَّك العين فليس على لغة من قال نِعْمَ فأَسكن العين ولكنّه على لغة من قال نِعِمَ فحرّك العين وحدّثنا أبو الخطاب انّها لغة هُذَيْلٍ وكسروا كما قالوا لِعِبٌ وقال طرفة [ رمل ]

ما أقَلَّتْ قَدَمٌ ناعِلَها * نِعِمَ الساعُونَ فى الحىِّ الشُّطُرْ

[10] 10 وامّا قوله عزّ وجلّ فلا تَتَنَاجَوْا فان شئت أسكنتَ الاوّل للمدّ وان شئت أخفيتَ وكان بزنته متحرِّكا وزعموا انّ اهل مكّة لا يبيِّنون التاءين وتقول هذا ثَوْبُ بَكْرٍ البيانُ فى هذا احسنُ منه فى الالف لانّ حركة ما قبله ليس منه فيكونَ بمنزلة الألف وكذلك هذا جَيْبُ بَكْرٍ الا ترى انّك تقول اخْشَو وَّاقِدًا فتُدغِم واخْشىْ يَّاسِرًا فتُدْغِم وتُجريه مجرى غير الواو والياء ولا يجوز فى القوافى المحذوفة وذلك أنّ [15] كلَ شِعْرٍ حذفتَ من أتمِّ بنائه حرفا متحرِّكا او زنةَ حرف متحرِّك فلا بُدَّ فيه من حرف لينٍ للرِّدف نحو [ طويل ]

ومَا كلُّ ذى لُبٍّ بمُؤْتِيك نُصْحَه * وما كلُّ مُؤْتٍ نُصْحَه بلَبِيبِ

فالياء التى بين الباءين رِدْفٌ 11 وإن شئت أخفيتَ فى ثَوْبُ بَكْرٍ وكان بزنته متحرِّكا وان أسكنتَ جاز لانّ فيهما مدًّا ولينا وان لم يَبلغا الالف كما قالوا ذلك فى غير المنفصل [20] نحو قولهم أُصَيْمُّ فياء التحقير لا تُحرَّك لانّها نظيرة الالف فى مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ لانّ التحقير عليهما يَجرى إذا جاوَز الثلاثة فلمَّا كانوا يَصلون الى إسكان الحرفين فى (Page 458) الوقف من سِواهما احتُمل هذا فى الكلام لِما فيهما ممّا ذكرت لك وتقول هذا دَلْوُ وَاقِدٍ وظَبْىُ يَاسِرٍ فتُجرِى الواوين والياءين هاهنا مجرى الميمين فى قولك اسمُ مُوسىَ فلا تُدغِم 12 وإذا قلت مررتُ بوَلِىِّ يَزِيدَ وعَدُوِّ وَليدٍ فإن شئت أخفيتَ وان شئت بيَّنت ولا تسكِّن لانّك حيث أدغمتَ الواو فى عَدوٍّ والياءَ فى وَلِىٍّ فرفعت لسانَك رفعةً [5] واحدة ذهب المدّ وصارتا بمنزلة ما يُدغَم من غير المعتلّ فالواو الأُولى فى عَدُوٍّ بمنزلة اللام فى دَلْوٍّ والياء الأُولى فى وَلِىٍّ بمنزلة الياء فى ظَبْيٍ والدليلُ على ذلك أنّه يجوز فى القوافى لَيَّا مع قولك ظَبْيَا ودَوَّا مع قولك غَزْوَا 13 واذا كانت الواوُ قبلها ضمّةٌ والياء قبلها كسرةٌ فإنّ واحدة منهما لا تُدغَم اذا كان مثلُها بعدها وذلك قولك ظَلَمُوا وَاِقداً واِظْلِمِى يَاسِراً ويَغْزُو واقِدٌ وهذا قاضِى يَاسِرٍ لا تُدغَم وانما تركوا المدّ على حالِه [10] فى الانفصال كما قالوا قد قُووِلَ حيث لم تَلزم الواو وارادوا ان يكون على زنة قاوَلَ فكذلك هذه اذ لم تكن الواوُ لازمةً لها ارادوا ان يكون ظَلَمُوا على زنة ظَلَما واقٍداً وقَضَى ياسِراً ولم تَقو هذه الواو عليها كما لم يَقو المنفصلان على ان تَحرِّك السين فى اسمُ مُوسَى واذا قلت وأنت تأمر اخْشَى يَّاسِراً واخْشَو وَّاقِداً أدغمتَ لانّهما ليسا بحرفىْ مَدٍّ كالالف وانما هما بمنزلة قولك اِحْمَد دَّاوُدَ واِذْهب بِّنا فهذا لا تصل فيه الاّ الى [15] الإدْغام لانّك انما تَرفع لسانَك من موضع هما فيه سَواءٌ وليس بينهما حاجز 14 وامّا الهمزتان فليس فيهما إدْغامٌ فى مثل قولك قَرَأَ أَبوك وأَقْرِئْ أَباك لانّك لا يجوز لك ان تقول قَرَأ أَبوك فتحقّقَهما فتصير كانّك انما ادغمت ما يجوز فيه البيان لانَّ المنفصلين يجوز فيهما البيان اَبدا فلا يَجريان مجرى ذلك وكذلك قالتْه العرب وهو قول الخليل ويونس وزعموا انّ ابن أبى إسحاق كان يحقّق الهمزتين وأُناسٌ معه وقد تكلّم ببعضه [20] العربُ وهو ردىءٌ فيجوز الإدْغام فى قول هؤلاء وهو ردىء 15 وممّا يجرى مجرى المنفصلين قولك اقْتَتَلوا ويقْتَتِلُونَ انْ شئت اظهرتَ وبيَّنتَ وان شئت أخفيتَ وكانت الزنةُ على حالها كما تَفعل بالمنفصلين فى قولك اسمُ مُوسَى وقومُ مَالِكٍ لا تُدغِم (Page 459) وليس هذا بمنزلة اِحْمَرَرْت واِفْعالَلْتُ لانّ التضعيف لهذه الزيادة لازمٌ فصارت بمنزلة العين واللام اللّتين هما من موضعٍ واحد فى مثل يَرُدُّ ويَسْتَعِدُّ والتاء الأُولى التى فى يَقْتَتِلُ لا يَلزمها ذلك لانّها قد تقع بعد تاء يَفْتَعِلُ العينُ وجميعُ حروف المُعْجَم وقد أدغم بعض العرب فأسكن لمَّا كان الحرفان فى كلمة واحدة ولم يكونا منفصلين وذلك [5] قولك يَقِتِّلُونَ وقد قِتِّلُوا وكسروا القاف لانّهما التَقيا فشُبّهت بقولهم رُدَُِّ يا فَتَى وقد قال آخرون قَتَّلوا ألقوا حركة المتحرِّك على الساكن وجاز فى قاف اِقْتَتَلُوا الوجهان ولم يكن بمنزلة عَضَّ وفَرَّ يَلزمه شىءٌ واحد لانّه يجوز فى الكلام فيه الإظهارُ والإخفاء والإدْغام فكما جاز فيه هذا فى الكلام وتَصَرَّفَ دخله شيئان يَعرضان فى التقاء الساكنين وتحذف الف الوصل حيث حرّكتَ القاف كما حذفتَ الالف فى رُدَُِّ حيث حرّكت الراء [10] والالفَ فى قُلَُِّ لانّهما حرفان فى كلمة واحدة لحِقهما الإدْغامُ فحذفتَ الالف كما حُذفتْ فى رُدَُِّ لانّه قد أُدغم كما أُدغم وتصديقُ ذلك قولُ الحَسَنِ إلاّ مَنْ خَطَّفَ الخَطْفَةَ ومن قال يَقَتِّلُ قال مُقَتِّلٌ ومن قال يَقِتِّلُ قال مُقِتِّلٌ وحدّثنى الخليل وهرونُ انّ ناسا يقولون مُرُدِّفِينَ فمن قال هذا فإنّه يريد مُرْتَدِفِينَ وانما أتبعوا الضمّةَ الضمّةَ حيث حرّكوا وهى قراءةٌ لاهل مكّة كما قالوا رُدُّ يا فَتَى فضمّوا لضمّة الراء فهذه الراء [15] اقربُ ومن قال هذا قال مُقُتِّلِيَن وهذا اقلُّ اللغات ومن قال قَتَّلَ قال رَدَّفَ فى ارْتَدَفَ يَجرى مجرى اِقْتَتَلَ ونحوِه ومثلُ ذهاب الالف فى هذا ذهابُها فى قولك سَلْ حيث حرّكتَ السين 16 فإن قيل فما بالُهم قالوا ألَحْمَرُ فيمن حذف همزةَ أحْمَرَ فلم يحذفوا الالف لمّا حرّكوا اللام فلانّ هذه الالف قد ضارعت الالفَ المقطوعة نحو أحْمَرَ الا ترى انّك اذا ابتدأت قتحتَ وإذا استفهمتَ ثبتتْ فلمّا كانت كذلك قَوِيَتْ [20] كما قلت الجِوارُ حين قلت جاوَرْتُ وتقول يا أَلله اغفرْ لى وأفَأَللهِ لَتفعلنَّ فتَقوى أيضا فى مواضع سِوَى الاستفهام ومنها إى ها أللهِ ذا وحَسُنَ الإدْغام فى اِقْتَتَلوا كحُسْنِه فى جَعَلْ لَّكَ الاّ أنّه ضارَع حيث كان الحرفان غيَر منفصلين اِحْمَرَرْتُ 17 وامّا اُرْدُدْ فليس فيه إخفاءٌ لانّه بين ساكنين كما لا تُخْفَى الهمزةُ مبتدأةً ولا بعد ساكن فكذلك ضعُف (Page 460) هذا إذ كان بين ساكنين وامّا رُدَّ دَاوُدَ فبمنزلة اسمُ مُوسى لانّهما منفصلان وانما التَقيا فى الإسكان وانما يُدغَمان اذا تَحرَّك ما قبلهما

Ch. 567 هذا باب الإدْغام فى الحروف المتقارِبة التى هى من مُخرَج واحد والحروفِ المتقارِبة مَخارجُها
فاذا أدغمتَ فإنّ حالها حالُ الحرفين اللّذين هما سَواءٌ فى حُسْن الإدْغام وفيما [5] يَزداد البيانُ فيه حُسنا وفيما لا يجوز فيه الإخفاءُ والإسكان فالإظهارُ فى الحروف التى من مُخرَج واحد وليست بأَمثالٍ سَواءٍ احسنُ لانّها قد اختَلفت وهو فى المختلِفة المخَارِج احسنُ لانّها اشدّ تباعُدًا وكذلك الإظهار كلّما تباعدت المخارجُ ازداد حُسْنا 18 ومن الحروف ما لا يُدغَم فى مُقارِبه ولا يُدغَم فيه مُقارِبُه كما لم يُدغَم فى مثله وذلك الحرف الهمزةُ لانّها انما امرُها فى الاستثقال التغيير والحذف وذلك لازم لها [10] وَحْدَها كما يَلزمها التحقيق لانّها تُستثقل وَحْدَها فاذا جاءت مع مثلها أو مع ما قُرب منها أُجريتْ على ما أُجريتْ عليه وَحْدَها لانّ ذلك موضع استثقال كما انّ هذا موضع استثقال 19 وكذلك الالفُ لا تُدغَم فى الهاء ولا فيما تُقارِبه لانّ الالف لا تُدغَم فى الالف لانّهما لو فُعل ذلك بهما فأُجريتا مجرى الدالينِ والتاءينِ تَغَيَّرتا فكانتا غيرَ الفينِ فلمّا لم يكن ذلك فى الالفينِ لم يكنفيهما مع المتقارِبة فهى نَحْوٌ من [15] الهمزة فى هذا فلم يكن فيهما الإدْغام كما لم يكن فى الهمزتين 20 ولا تُدغَم الياء وان كانت قبلها فتحة ولا الواوُ وان كان قبلها فتحة مع شىء من المتقارِبة لانّ فيهما لِينًا ومَدًّا فلم تَقْوَ عليهما الجيمُ والباءُ ولا ما لا يكون فيه مَدٌّ ولا لِينٌ من الحروف أن تجعلهما مُدْغَمتين لانّهما يُخْرِجان ما فيه لِينٌ ومَدٌّ إلى ما ليس فيه مَدٌّ ولا لِينٌ وسائر الحروف لا تزيد فيها على أن تَذهب الحركةُ فلم يَقو الإدْغام فى هذا كما لم يَقو على ان [20] تحرِّك الراء فى قَرْمُ مُوسَى ولو كانت مع هذه الياءِ التى ما قبلها مفتوح والواوِِ التى ما قبلها مفتوح ما هو مثلُهما سَواءٌ لأَدغمتَهما ولم تَستطع الاّ ذلك لانّ الحرفين استَويا فى الموضع وفى اللين فصارت هذه الياءُ والواو مع الميم والجيم نحوا من الألف مع المقارِبة لانّ فيهما لينا وان لم يَبلغا الالف ولكنْ فيهما شَبَهٌ منها الا ترى انّه اذا كانت (Page 461) واحدة منهما فى القوافى لم يجز فى ذلك الموضع غيرُها اذ كانت قبل حرف الرَّوِىّ فلم تَقو المقارِبةُ عليها لما ذكرتُ لك وذلك قولك رأيتُ قاضِىَ جابِرٍ ورأيتُ دَلْوَ مالِكٍ ورأيتُ غُلامَىْ جابِرٍ ولا تُدغِم فى هذه الياء الجيمَ وان كانت لا تُحرَّكُ لانّك تُدخِل اللين في غير ما يكون فيه اللين وذلك قولك أَخْرِجْ يَاسِرًا فلا تُدخِل ما لا يكون فيه [5] اللين على ما يكون فيه اللين كما لم تفعل ذلك بالألف واذا كانت الواوُ قبلها ضمّة والياءُ قبلها كسرة فهو ابعدُ للإدْغام لانّها حينئذ اشبهُ بالالف وهذا ممّا يقوِّى ترك الإدْغام فيهما وما قبلهما مفتوح لانّهما يكونان كالالف فى المَدّ والمَطْل وذلك قولك ظَلَموا مالِكاً واظْلمِى جابِراً 21 ومن الحروف حروفٌ لا تُدغَم فى المقارِبة وتُدغَم المقارِبةُ فيها وتلك الحروف الميم والراءُ والفاءُ والشين فالميمُ لا تُدغَم فى الباء وذلك [10] قولك أكْرِمْ بِهِ لانّهم يَقلبون النون ميما فى قولهم العَنْبَر ومَنْ بَدَا لك فلمَّا وقع مع الباء الحرفُ الذى يَفرّون إليه من النون لم يغيّروه وجعلوه بمنزلة النون إذْ كانا حرفَىْ غُنّةٍ وامَّا الإدْغام فى الميم فنحو قولهم اصْحَمَّطَراً تريد اصْحَبْ مَطَراً مُدغَم 22 والفاءُ لا تُدغَم فى الباء لانّها من باطنِ الشَّفة السُّفلَى وأَطرافِ الثَّنايا العُلَى وانحدرتْ إلى الفم وقد قاربتْ من الثنايا مُخْرَجَ الثاء وانما اصلُ الإدْغام فى حروف الفم واللسان لانّها اكثرُ [15] الحروف فلمَّا صارت مضارِعة للثاءِ لم تُدغَم فى حرف من حروف الطَّرَفَيْنِ كما انَّ الثاء لا تُدغَم فيه وذلك قولك أعْرِفْ بَدْراً والباء قد تُدغَم فى الفاء للتقارُب ولانّها قد ضارعت للثاءَ فقويتْ على ذلك لكثرة الإدْغام فى حروف الفم وذلك قولك اذْهَب فّى ذلك فقلبتَ الباءَ فاءً كما قلبتَ الباءَ ميما فى قولك اصْحَمَّطَراً 23 والرَّاء لا تُدغَم فى اللام ولا فى النون لانّها مكرَّرة وهى تَفَشَّى اذا كان معها غيرها فكرهوا ان يُجْحِفوا بها فتُدْغَمَ [20] مع ما ليس يَتفشّى فى الفم مثلها ولا يكرَّر ويقوِّى هذا أنّ الطاء وهى مُطبَقة لا تُجعَل مع التاء تاءً خالصةً لانّها افضلُ منها بالإطباق فهذه أجدرُ أن لا تُدغَم اذ كانت مكرَّرة وذلك قولك اُجْبُرْ لَبَطةَ واِخْتَر نَقَلاً وقد تُدغَم هذه اللامُ والنون مع الراء لانّك لا تُخِلُّ بهما كما كنت مُخِلاًّ بها لو ادغمتَها فيهما ولتقارُبهنّ وذلك هَرَّأَيْتَ (Page 462) ومَرَّأَيْتَ 24 والشيُن لا تُدغَم فى الجيم لانّ الشين استَطال مُخْرَجُها لرَخاوتها حتّى اتّصل بمُخرَج الطاء فصارت منزلتُها منها نحوا من منزلة الفاء مع الباء فاجتَمع هذا فيها والتفشِّى فكرهوا ان يُدغِموها فى الجيم كما كرهوا ان يُدغِموا الراءَ فيما ذكرتُ لك وذلك قولك اِفْرِشْ جَبَلَةَ وقد تُدغَم الجيم فيها كما ادغمتَ ما ذكرتُ لك فى الراء وذلك أخْرِشَبَّثاً [5] فهذا تلخيصٌ لحروفٍ لا تُدغَم فى شىء ولحروفٍ لا تُدغَم فى المقارِبة وتُدغَم المقارِبةُ فيها ثم نعود إلى الإدْغام فى المقارِبة التى يُدغَم بعضُها فى بعض ان شاء الله 25 الهاءُ مع الحاء كقولك اِجْبَه حَمَلاً البيانُ احسنُ لاختلاف المُخْرَجين ولانّ حروف الحَلْق ليست باصلٍ للإدْغام لقلّتها والإدْغام فيها عربىّ حسنٌ لقرب المُخرجين لانّهما مهموسان رِخْوان فقد اجتَمع فيهما قربُ المُخرَجين والهَمْسُ ولا تُدغَم الحاءُ فى [10] الهاء كما لم تُدغَم الفاءُ فى الباء لانّ ما كان اقربَ الى حروف الفم كان أقوى على الإدْغام ومثَل ذلك اِمْدَحْ هلالاً فلا تُدغِم 26 العينُ مع الهاء كقولك اِقْطَعْ هِلالاً البيانُ احسنُ فإن ادغمتَ لقرب المُخرَجين حوّلتَ الهاءَ حاءً والعينَ حاءً ثم ادغمتَ الحاء فى الحاءِ لانّ الاقرب الى الفم لا يُدغَم فى الذى قبله فابدلتَ مكانها اشبهَ الحرفين بها ثم ادغمتَه فيه كيلا يكون الإدْغام فى الذى فوقَه ولكن ليكون فى الذى هو [15] من مُخرَجه ولم يُدغِموها فى العين اذ كانتا من حروف الحَلْق لانّها خالفتْها فى الهَمْس والرَّخاوةِ فوقع الإدْغام لقرب المُخرَجين ولم تَقو عليها العينُ اذ خالفتْها فيما ذكرتُ لك ولم تكن حروفُ الحَلْق اصلاً للإدْغام ومع هذا فإنّ التقاءَ الحاءين اخفُّ فى الكلام من التقاء العينين الا ترى انّ التقاءهما فى باب رَدَدتُّ اكثرُ والمهموسُ اخفُّ من المجهور فكلُّ هذا يباعِدُ العينَ من الإدْغام اذ كانت هى والهاءُ من حروف الحَلْق [20] ومثل ذلك اِجبَهْ عِنَبَهُ فى الإدْغام والبيان واذا اردت الإدْغام حوّلتَ العين حاءً ثم ادغمت الهاءَ فيها فصارتا حاءين والبيانُ احسنُ وممَّا قالت العربُ تصديقا لهذا فى الإدْغام قولُ بنى تميم مَحُّمْ يريدون مَعَهُمْ ومَحَّاؤُلاَءِ يريدون معَ هؤلاء وممَّا (Page 463) قالت العربُ فى إدْغام الهاء فى الحاء قولُه

كأنَّها بعد كَلالِ الزَّاجِرِ * ومَسِحِى مرُّ عُقابٍ كاسِرِ

يريدون ومَسْحِه 27 العين مع الحاء كقولك اِقْطَع حَّمَلاً الإدْغام حسنٌ والبيان حسنٌ لانّهما من مُخرَج واحد ولم تُدغَم الحاءُ فى العين فى قولك اِمْدَح عَرَفَةَ لانّ الحاء قد [5] يَفرّون اليها اذا وقعت الهاء مع العين وهى مثلُها فى الهمس والرَّخاوة مع قرب المُخرَجين فأجريتْ مجرى الميم مع الباء فجعلتَها بمنزلة الهاء كما جعلتَ الميم بمنزلة النون مع الباء ولم تَقو العينُ على الحاء اذ كانت هذه قصَّتَها وهما من المُخرَج الثانى من الحَلْق وليست حروفُ الحلق باصلٍ للإدْغام ولكنَّك لو قلبت العين حاءً فقلت فى اِمْدَحْ عَرَفَةَ اِمْدَحَّرَفَةَ جاز كما قلت اجْبَحِّنَبَهُ تريد اِجْبَهْ عِنَبَهُ حيث ادغمتَ وحوّلت [10] العين حاء ثم ادغمت الهاء فيها 28 الغين مع الخاء البيانُ احسنُ والإدْغام حسنٌ وذلك قولك اِدْمَخّلَفاً كما فعلتَ ذلك فى العين مع الحاء والخاء مع الغين البيانُ احسنُ لانّ الغين مجهورة وهما من حروف الحَلْق وقد خالفت الخاءَ فى الهمس والرَّخاوة فشُبّهت بالحاء مع العين وقد جاز الإدْغام فيها لانّه المُخرَج الثالث وهو أَدنى المخارج من مخارج الحَلْق الى اللسان الا ترى انّه يقول بعضُ العرب مُنْخُلٌ ومُنْغُلٌ فيُخْفِى النون [15] كما يُخْفيها مع حروف اللسان والفم لقرب هذا المُخرَج من اللسان وذلك قولك فى اِسْلَخْ غَنَمَك اِسْلَغَّنَمك ويدلّك على حسن البيان عزّتُها فى باب رَددتُّ 29 القاف مع الكاف كقولك اِلْحَق كَلَدةَ الإدْغام حسنٌ والبيانُ حسنٌ وانما ادغمتَ لقرب المُخرَجين وأنّهما من حروف اللسان وهما متّفِقان فى الشدّة والكاف مع القاف اِنْهَكْ قَطنًا البيان احسن والإدْغام حسنٌ وانما كان البيانُ احسنَ لانّ مُخرَجهما اقربُ مخارج [20] اللسان الى الحَلْق فشُبّهت بالخاء مع الغين كما شُبّه اقربُ مخارج الحَلْق الى اللسان بحروف اللسان فيما ذكرنا من البيان والإدْغام الجيم مع الشين كقولك اِبْعَجْ شَبَثًا الإدْغام والبيانُ حسنان لانّهما من مُخرَج واحد وهما من حروف وَسَط اللسان 30 اللام مع الراء نحو اِشْغَل رَّحَبةَ لقرب المُخرَجين ولانّ فيهما انحرافا نحوَ اللام قليلا وقاربَتْها فى طَرَف اللسان وهما فى الشدّة وجَرْىِ الصوت سَواءٌ وليس بين مُخرَجيهما مُخْرَجٌ والإدْغام احسنُ النونُ تُدغَم (Page 464) مع الراء لقرب المُخرَجين على طَرَف اللسان وهى مثلُها فى الشدّة وذلك قولك مِن رَّاشِدٍومَنْ رَأَيْتَ وتُدغَم بِغُنّةٍ وبِلا غُنّة وتُدغَم [5] فى اللام لانّها قريبة منها على طَرف اللسان وذلك قولك مَلَّكَ فان شئت كان إدْغاما بلا غُنّة فتكون بمنزلة حروف اللسان وان شئت ادغمتَ بِغُنّةٍ لانّ لها صوتا من الخياشيم فتُرك على حاله لانّ الصوت الذى بعده ليس له فى الخياشيم نَصيبٌ فيَغلبَ عليه الاتّفاقُ 31 وتُدغَم النونُ مع الميم لانّ صوتهما واحد وهما مجهوران قد حالفا سائرَ الحروف التى فى الصوت حتّى انّك تَسمع النون كالميم والميمَ كالنون حتى تَتبيّن فصارتا [10] بمنزلة اللام والراء فى القرب وان كان المُخرَجان متباعِدين الاَّ أنّهما اشتَبها لخروجهما جميعا فى الخياشيم وتُقلَب النونُ مع الباء ميما لانّها من موضع تَعتلُّ فيه النونُ فارادوا ان تُدغَم هنا اذ كانت الباءُ من موضع الميم كما ادغموها فيما قرُب من الراء فى الموضع فجعلوا ما هو من موضع ما وافَقَها فى الصَّوت بمنزلة ما قرُب من اقرب الحروف منها فى الموضع ولم يجعلوا النون باءً لبعدها فى المُخرَج وأنّها ليست فيها غُنّةٌ ولكنّهم [15] ابدلوا من مكانها اشبهَ الحروف بالنون وهى الميم وذلك قولهم مَمْبِكَ يريدون مَنْ بِكَ وشَمْباءُ وعَمْبَرٌ يريدون شنباء وعَنْبَراً 32 وتُدغَم النونُ مع الواو بغُنّة وبلا غُنّة لانّها من مُخرَج ما أُدغمت فيه النون وانما منعَها ان تُقلَب مع الواو ميما أنّ الواو حرفُ لين يَتجافى عنه الشَّفَتان والميمُ كالياء فى الشدّة وإلزامِ الشَّفَتين فكرهوا ان يكون مكانَها اشبهُ الحروف من موضع الواو بالنون وليس مثلَها فى اللين والتجافى والمدّ فاحتَملتِ [20] الإدْغام كما احتَملتْه اللامُ وكرهوا البدل لما ذكرتُ لك 33 وتُدغَم النونُ مع الياء بغُنّة وبلا غُنّة لانّ الياء اختُ الواو وقد تُدغَم فيها الواوُ فكانّهما من مُخرَج واحد ولانّه ليس مُخْرَجٌ من طرَف اللسان اقربُ الى مُخرج الراء من الياء الا ترى انّ الألثغ بالراء يَجعلها ياءً وكذلك الألثغ باللام لانّ الياء اقربُ الحروف من حيث ذكرتُ لك إليهما 34 وتكون النونُ مع سائر حروف الفم حرفاً خَفِيًّا مُخْرَجُه من الخياشيم وذلك (Page 465) أنّها من حروف الفم واصلُ الإدْغام لحروف الفم لانّها اكثرُ الحروف فلمّا وصلوا الى ان يكون لها مُخْرَجٌ من غير الفم كان اخفَّ عليهم أن لا يستعملوا ألسنتَهم الاّ مرّة واحدة وكان العِلْمُ بها أنّها نون من ذلك الموضع كالعِلْم بها وهى من الفم لانّه ليس حرفٌ يَخرج من ذلك الموضع غيرُها فاختاروا الخِفّة اذ لم يكن لَبْسٌ وكان اصلُ الإدْغام [5] وكثرةُ الحروف لِلفم وذلك قولك مَنْ كان ومَنْ قال ومَنْ جاءَ وهى مع الراء واللام والياء والواو اذا أدغمتَ بِغُنّة فليس مُخْرَجُها من الخياشيم ولكنْ صوتُ الفم أُشْرِبَ غُنّةً ولو كان مُخْرَجُها من الخياشيم لمَاَ جاز ان تُدغِمها فى الواو والياء والراء واللام حتّى تصير مثلَهنّ فى كلّ شىء 35 وتكون مع الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء بيِّنةً موضعُها من الفم وذلك أنّ هذه الستّة تباعدت عن مُخرَج النون وليست من [10] قَبيلها فلم تُخْفَ هاهنا كما لم تُدغَم فى هذا الموضع وكما انّ حروف اللسان لا تُدغَم فى حروف الحَلْق وانما أُخفيت النونُ فى حروف الفم كما أُدغمتْ فى اللام واخواتِها وهو قولك مِنْ أجْلِ زيدٍ ومِن هُنا ومِن خَلْفٍ ومِن حاتِمٍ ومِن عَلَيْكَ ومَنْ غَلَبَك ومُنْخُلٌ بيّنةٌ هذا الاجود الاكثرُ وبعضُ العرب يُجرِى الغين والخاء مجرى القاف وقد بيّنّا لِمَ ذلك ولم نَسمعهم قالوا فى التحرّك حِين سُّلَيْمانَ فاسكنوا النون مع هذه الحروف التى مُخْرَجُها [15] معها من الخياشيم لانّها لا تُحوَّل حتّى تصير من مُخرَجِ موضعِ الذى بعدها وان قيل لم يُستنكرْ ذلك لانّهم قد يَطلبون هاهنا من الاستخفاف كما يَطلبون اذا حوّلوها ولا تُدغَم فى حروف الحَلْق البتّة ولم تَقو هذه الحروفُ على ان تَقلبها لانّها تَراختْ عنها ولم تَقرب قُرْبَ هذه الستّة فلم يَحتمل عندهم حرفٌ ليس مُخرَجه غيرَه للمقاربة اكثرَ من هذه الستّة 36 وتكون ساكنة مع الميم اذا كانت من نفسِ الحرف بيّنةً والواوُ [20] والياء بمنزلتها مع حروف الحَلْق وذلك قولك شاةٌ زَنْماءُ وغَنَمٌ زُنْمٌ وقَنْواءُ وقُنْيةٌ وكُنْية ومُنْيةٌ وانما حملهم على البيان كراهيةُ الالتباس فيصيرَ كانّه من المضاعَف لانّ هذا المثال قد يكون فى كلامهم مضاعَفا الا تراهم قالوا اِمَّحَى حيث لم يخافوا الالتباس لانّ هذا المثال لا تُضاعَف فيه الميمُ وسمعتُ الخليل يقول فى اِنْفَعَل من وَجِلتُ اوَّجَلَ (Page 466) كما قالوا اِمَّحَى لانّها نون زِيدَتْ فى مثال لا تُضاعَف فيه الواوُ فصار هذا بمنزلة المنفصل فى قولك مَن مِّثْلُك ومَن مَّات فهذا يَتبيّن فيه أنّها نون بالمعنى والمثال وكذلك انْفَعَلّ من يَئِسَ على هذا القياس واذا كانت بالباءِ لم تَتبيّن وذلك قولك شَمْباءُ والعَمْبَرُ ولانّك لا تُدغِم النون وانما تحوِّلها ميما والميمُ لا تقع ساكنة قبل الباء فى كلمة [5] فليس فى هذا التباسٌ بغيره ولا نَعلم النون وقعت ساكنة فى الكلام قبل راءٍ ولا لامٍ لانّهُم إن بيّنوا ثقُل عليهم لقرب المُخرَجين كما ثُقلت التاءُ مع الدال فى وَدٍّ وعِدَّانٍ وإن ادغموا التَبس بالمضاعَف ولم يجز فيه ما جاز فى وَدٍّ فيُدْغَمَ لانّ هذين حرفان كلُّ واحد منهما يُدغَم فى صاحبه وصوتُهما من الفم والنونُ ليست كذلك لانّ فيها غُنّة فتَلتبسُ بما ليس فيه الغُنّة اذ كان ذلك الموضعُ قد تُضاعَف فيه الراءُ وذلك انّه [10] ليس فى الكلام مثل قِنْرٍ وعِنْلٍ وانما احتُمل ذلك فى الواو والياء والميم لبُعد المخارج 37 وليس حرفٌ من الحروف التى تكون النونُ معها من الخياشيم يُدغَم فى النون لانّ النون لم تُدغَم فيهنّ حتّى يكون صوتُها من الفم وتُقْلَبَ حرفا بمنزلة الذى بعدها وانما هى معهنّ حرفٌ بائنٌ مُخْرَجُه من الخياشيم فلا يُدغَمنَ فيها كما لا تُدغَم هى فيهنّ وفُعِلَ ذلك بها معهنّ لبُعدهنّ منها وقلّة شَبَههنّ بها فلم يُحتمل لهنّ ان تصير [15] من مخارجهنّ وامّا اللام فقد تُدغَم فيها وذلك قولك هَنَّرَى فتدغَم فى النون والبيانُ احسنُ لانّه قد امتُنع ان يُدغَم فى النون ما أُدغمت فيه سِوَى اللام فكانّهم يَستوحشون من الإدْغام فيها ولم يُدغِموا الميم فى النون لانّها لا تُدغَم فى الباء التى هى من مُخرَجها ومثلُها فى الشدّة ولزوم الشفتين فكذلك لم يُدغِموها فيما تَفاوَتَ مُخْرَجُه عنها ولم تُوافِقها إلاّ فى الغُنّة 38 ولامُ المعرفة تُدغَمُ فى ثلاثة عشر حرفا لا يجوز فيها [20] معهن الاّ الإدْغام ولكثرة لام المعرفة فى الكلام وكثرة موافقتها لهذه الحروف واللامُ من طَرَف اللسان وهذه الحروف احد عشر حرفا منها حروفُ طَرَف اللسان وحرفان يخالِطان طَرَفَ اللسان فلمَّا اجتَمع فيها هذا وكثرتُها فى الكلام لم يجز الاّ الإدْغام كما لم يجز فى يَرَى اذ كثُر فى الكلام وكانت الهمزةُ تُستثقل الاّ الحذفُ ولو كانت يَنْأَى (Page 467) ويَنْأَلُ لكنتَ بالخيار والاحد عشر حرفا النون والراء والدال والتاء والصاد والطاء والزاى والسين والظاء والثاء والذال واللّذان خالَطاها الضاد والشين لانّ الضاد استطالت لرَخاوتها حتّى اتَّصلتْ بمُخرَج اللام والشين كذلك حتّى اتّصلت بمُخرَج الطاء وذلك قولك اَلنُّعْمان واَلرَّجُل وكذلك سائرُ هذه [5] الحروف 39 فاذا كانت غيرَ لام المعرفة نحو لامِ هَلْ وبَلْ فإنّ الإدْغام فى بعضها احسنُ وذلك قولك هَرَّأَيْتَ لانّها اقربُ الحروف الى اللام واشبهُها بها فضارعتا الحرفين اللّذين يكونان من مُخرَج واحد اذ كانت اللامُ ليس حرفٌ اشبهُ بها منها ولا اقربُ كما انّ الطاء ليس حرفٌ اقربُ اليها ولا أشبهُ بها من الدال وان لم تُدغِم فقلت هَلْ رَأيْتَ فهى لغة لاهل الحجاز وهى عربيّة جائزة وهى مع الطاء والدال والتاء والصاد [10] والزاى والسين جائزة وليس ككثرتها مع الراء لانّهنّ قد تَراخَيْنَ عنها وهنّ من الثَّنايا وليس منهنّ انحرافٌ وجوازُ الإدْغام على أنّ اخِر مُخرَج اللام قريبٌ من مُخرَجها وهى حروفُ طَرَف اللسان وهى مع الظاء والثاء والذال جائزة وليس كحُسنه مع هؤلاء لانّ هؤلاء من أطراف الثَّنايا وقد قاربنَ مُخْرَجَ الفاء ويجوز الإدْغام لانّهنّ [15] من الثَّنايا كما انّ الطاء واخواتِها من الثَّنايا وهنّ من حروف طَرَف اللسان كما انّهنّ منه 40 وانما جُعل الإدْغام فيهنّ اضعفَ وفى الطاء واخواتِها أقوى لانّ اللام لم تَسفل الى أطراف اللسان كما لم تَفعل ذلك الطاءُ واخواتُها وهى مع الضاد والشين أضعفُ لانّ الضاد مُخْرَجُها من اوّل حافة اللسان والشين من وسطه ولكنّه يجوز إدْغامُ اللام فيهما لما ذكرتُ لك من اتّصال مُخرَجهما قال طَرِيفُ بن تميم العنبرىّ تقولُ اِذا آسْتَهْلَكْتُ مالاً لِلَذّة * فُكَيْهَةُ هَشَّىْءٌ بكَفَّيْكَ لائِقُ يريد هَلْ شىء فأدغم اللام فى الشين [20] وقرأ ابو عمرو هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ يريد هل ثُوِّب الكُفَّارُ فأدغَم فى الثاء وامّا التاء فهى على ما ذكرتُ لك وكذلك اخواتُها وقد قُرئَ بها بَتُّؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا فأدغم اللام فى التاء وقال مُزاحِمٌ العُقَيْلىّ [ طويل ]

فدَرْ ذا ولكنْ هَتُّعِينُ مُتَيَّماً * على ضَوءِ بَرْقٍ آخِرَ اللّيلِ ناصِبِ

يريد هَلْتُعِينُ والنونُ إدْغامُها فيها اقبحُ من جميع هذه الحروف لانّها تُدغَم فى (Page 468) اللام كما تدغم فى الياء والواو والراء والميم فلم يَجسروا على أن يُخرِجوها من هذه الحروف التى شاركتْها فى إدْغام النون وصارت كأَحَدها فى ذلك

Ch. 568 هذا باب الإدْغام فى حروف طَرَف اللسان والثَّنايا
الطاء مع الدال كقولك اِضْبِدَّلَماً لانّهما مع موضعٍ واحد وهى مثلُها فى الشدّة الاّ انّك قد تَدَعُ الإطباق على [5] حاله فلا تُذهِبهُ لانّ الدال ليس فيها إطباق فانما تَغلب على الطاء لانّها من موضعها ولانّها حَصَرت الصوتَ من موضعها كما حصرتْه الدالُ فامَّا الإطباق فليست منه فى شَىء والمُطْبَقُ أفْشَى فى السَّمْع ورأوا إجحافا أن تَغلب الدالُ على الإطباق وليست كالطاء فى السمع ومثل ذلك إدغامُهم النونَ فيما تُدغَم فيه بغُنّة وبعضُ العرب يُذهِب الإِطباق حتّى يَجعلها كالدال سَواء ارادوا ان لا تُخالِفها اذ آثروا ان يَقلبوها دالاً [10] كما انّهم أدغموا النون بلا غُنّة وكذلك الطاءُ مع التاء الاّ أنّ إذهاب الإِطباق مع الدال امثلُ قليلا لانّ الدال كالطاء فى الجَهْر والتاء مهموسة وكلٌّ عربىٌّ وذلك اُنقُتَّوْءَماً تدغم 41 وتَصير الدالُ مع الطاء طاءً وذلك اُنقُطّالِباً وكذلك التاءُ وهو قولك اِنعَطّالِباً لانّك لا تُجحِف بهما فى الإطباق ولا فى غيره وكذلك التاءُ مع الدال والدالُ مع التاء لانّه ليس بينهما الاّ الهمسُ والجهر ليس فى واحد منهما إطباقٌ ولا استطالةٌ [15] ولا تكرير ومما أُخلصتْ فيه الطاءُ تاءً سَماعاً من العرب قولهم حُتُّهُم يريدون حُطْتُهُمْ والتاءُ والدال سَواءٌ كلُّ واحدة منهما تُدغَم فى صاحبتها حتّى تَصيرالتاءُ دالا والدالُ تاءً لانّهما من موضع واحد وهما شديدتان ليس بينهما شىء الاّ الجهر والهمس وذلك قولك اِنعَدُّلاَماً واُنقُتِّلْكَ فتُدغِم ولو بيَنتَ فقلت اِضْبِطْ دُلاماً واِضْبِطْ تِلْكَ واُنقُدْ تِلْكَ واِنعَتْ دُلاماً لَجاز وهو يَثقل التكلُّمُ به لشدّتهنّ وللزوم اللسان موضعَهنّ [20] لا يَتجافى عنه فان قلتَ أقول اِصْحَبْ مَطَراً وهما شديدتان والبيانُ فيهما احسنُ فانما ذلك لاستعانة الميم بصوت الخياشيم فضارعت النونَ ولو امسكتَ بأنفك لرأيتها بمنزلة ما قبلها 42 وقصّةُ الصاد مع الزاى والسين كقصّة الطاء والدال والتاء وهى من السين كالطاء من الدال لانّها مهموسةٌ مثلُها وليس يَفرق بينهما الاّ الإطباقُ وهى من الزاى (Page 469) كالطاء من التاء لانّ الزاى غير مهموسة وذلك قولك اِفْحَسَّالِماً فتَصير سينا وتَدَعُ الإطباق على حاله وان شئت اذهبته وتقول اِفحَزَّرَدَةَ وان شئت اذهبتَ الإطباق وإذهابُه مع السين امثلُ قليلاً لانّها مهموسة مثلُها وكلُّه عربىّ ويصيران مع الصاد صاداً كما صارت الدالُ والتاءُ مع الطاء طاءً يدلّك التفسير والبيانُ فيها [5] احسنُ لرَخاوتهنّ وتَجافِى اللسان عنهنّ وذلك قولك اِحْبِصَّابِراً وأوْجِصَّابِراً والزاىُ والسين بمنزلة التاء والدال تقول اِحْبِزَّرَدَةَ ورُسَّلَمَةَ فتُدغِم 43 وقصّةُ الظاء والذال والثاء كذلك ايضا وهى مع الذال كالطاء مع الدال لانّها مجهورة مثلُها وليس يَفرق بينهما الاّ الإطباقُ وهى من الثاء بمنزلة الطاء من التاء وذلك قولك اِحْفَذَّلكَ فتُدغِم وتَدَعُ [10] الإطباق وان شئت اذهبته وتقول اِحْفَثَّابِتاً وان شئت أذهبتَ الإطباق وإذهابُه مع الثاء كإذهابه من الطاء مع التاء وإن أدغمتَ الذال والثاء فيهما انزلتَهما منزلة الدال والتاء اذا ادغمتهما فى الطاء وذلك قولك خُظَّالماً واِبْعَظَّالماً والذالُ والثاءُ منزلةُ كلّ واحدة منهما من صاحبتها منزلةُ الدال والتاء وذلك قولك خُثَّابِتاً واِبْعَذَّلِكَ والبيانُ فيهنّ امثلُ منه فى الصاد والسين والزاى لانّ رَخاوتهنّ اشدُّ من رَخاوتهنّ لانحراف طَرَف اللسان الى طَرَف الثَّنايا ولم يكن له رَدٌّ والإدْغامُ [15] فيهنّ اكثر واجودُ لانّ اصل الإدْغام لحروف اللسان والفم واكثرُ حروف اللسان من طَرَف اللسان وما يخالِط طَرَفَ اللسان وهى اكثر من حروف الثَّنايا 44 والطاءُ والدال والتاء يُدغَمن كلُّهنّ فى الصاد والزاى والسين لقرب المُخرَجين لانّهنّ من الثَّنايا وطَرفِ اللسان وليس بينهنّ فى الموضع الاّ أنّ الطاء وأُختيْها من اصل الثَّنايا وهنّ من أَسفله قليلا ممّا بين الثَّنايا وذلك قولك ذَهَبَسَّلْمَى وقَسَّمِعَتْ فتُدغِم واِضْبِزَّرَدَةَ فتُدغِم [20] واِنْعَصَّابِراً فتُدغِم وسمِعناهم يُنشِدون هذا البيت لابن مُقبِل [ كامل ]

فكأنَّما اغْتَبَقَصَّبيرَ غَمامةٍ * بِعَراً تُصَفِّقُهُ الرِّياحُ زُلالاَ

فأَدغم التاء فى الصاد 45 وقرأ بعضهم لا يسَّمَّعون يريد لاَ يَتَسَمَّعون والبيانُ عربىّ حسن (Page 470) لاختلاف المُخرَجين وكذلك الظاء والثاء والذال لانّهنّ من طَرَف اللسان وأطراف الثَّنايا وهنّ اخواتٌ وهنّ من حَيِّز واحد والذى بينهما من الثَّنِيّتينِ يسيرٌ وذلك قولك اِبعَسَّلَمَةَ واِحْفَسَّلَمَةَ وخُصَّابِراً واِحْفَزَّرَدَةَ وسمعناهم يقولون مُزّمان فيُدغمون الذال فى الزاى ومُسَّاعةٌٍ فيُدغِمونها فى السين والبيانُ فيها امثلُ لانّها ابْعَدُ من الصاد [5] وأُختيْها وهى رِخْوةٌ فهو فيهنّ امثلُ منه فى الطاء وأُختَيها والظَّاءُ والثاء والذال اخواتُ الطاء والدال والتاء لا يَمتنع بعضُهنَّ من بعض فى الإدْغام لانّهنّ من حَيَّز واحد وليس بينهنّ الاّ ما بين طَرَف الثَّنايا وأُصولها وذلك قولك اِهْبِظّالماً وأبْعِذَّلِكَ واِنعثَّابِتاً واِحْفطَّالِباً وخُدَّاوُدَ واِبْعَتَّلْكَ وحُجّتُه قولهم ثَلاَتُّ دَراهِمَ تُدغِم الثاءَ من ثَلاَثَة فى الهاء اذا صارت تاءً وثَلاتُّ أَفلُسٍ فأدغموها وقالوا حَدَّثْتُهم [10] فجعلوها تاءً والبيانُ فيه جيّد وامّا الصاد والسين والزاى فلا تُدغِمهنَّ فى هذه الحروف التى أُدغمت فيهنّ لانّهنّ حروف الصفير وهنّ أنْدَى فى السمع وهؤلاء الحروف انما هى شديدٌ ورِخْوٌ لسن فى السمع كهذه الحروف لخفائها ولو اعتَبرتَ ذلك وجدتَّه هكذا فامتَنعت كما امتَنعت الراءُ ان تُدغَم فى اللام والنون للتكرير 46 وقد تُدغَم الطاءُ والتاء والدال فى الضاد لانّها اتّصلت بمُخرَج اللام وتَطَأْطَأَت عن اللام حتّى [15] خالطتْ أُصولَ ما اللامُ فوقَه من الأَسنان ولم تَقع من الثَّنيّة موضعَ الطاء لانحرافها لانّك تَضع للطّاء لسانَك بين الثّنِيّتين وهى مع ذا مُطبَقة فلمّا قاربت الطاءَ فيما ذكرتُ لك أدغموها فيها كما أدغموها فى الصاد وأُختيْها فلمّا صارت بتلك المنزلة أدغموا فيها التاءَ والدال كما أدْغموهما فى الصاد لانّهما من موضعها وذلك قولك اِضْبِضَّرَمَةَ واِنعَضَّرَمَةَ وسمعنا من يوثَق بعربيّته قال [ رجز ]

[20] ثار فضَجَّضَّجّةً رَكائِبُهْ

فأدغم التاء فى الضاد 47 وكذلك الظاءُ والذال والثاء لانّهنّ من حروف طَرَف اللسان والثّنايا يُدغَمن فى الطاء واخواتِها ويُدغَمن قيهنّ ويُدغَمن ايضا جميعا فى الصاد والسين والزاى وهنّ من حَيّزٍ واحد وهنّ بعدُ فى الإطباق والرَّخاوة كالضاد فصارت بمنزلة (Page 471) حروف الثَّنايا وذلك اِحْفَضَّرَمَةَ وخُضَّرَمَةَ واِبْعَضَّرَمةَ 48 ولا تُدغَم فى الصاد والسين والزاى لاستطالتها يعنى الضاد كما امتَنعت الشين ولا تُدغَم الصادُ وأُختاها فيها لما ذكرتُ لك فكلُّ واحدةٍ منهما لها حاجز ويَكرهون ان يُدغِموها يعنى الضاد فيما أُدغم فيها من هذه الحروف كما كرهوا الشين والبيانُ عربىّ جيّد لبُعد الموضعين فهو [5] فيه أقوى منه فيما مضى من حروف الثَّنايا 49 وتُدغَم الطاءُ والدال والتاءُ فى الشين لاستطالتها حين اتَّصلت بمُخرَجها وذلك قولك اِضْبشَّبَثاً واِنعَشَّبَثاً واُنْقُشَّبَثاً والإدْغامُ فى الضاد اقوى لانّها قد خالطت باستطالتها الثَّنيَّةَ وهى مع ذا مُطبقَة ولم تَجافَ عن الموضع الذى قرُبتْ فيه من الطاء تَجافِيَهَا وما يُحتجُّ به فى هذا قولُهم عاوِشَّنْباءَ فأدغَموها وتُدغَم الظاء والذال والثاء فيها لانّهم قد انزلوها منزلة الضاد [10] وذلك قولك اِحْفَشَّنْباءَ واِبْعَشَّنْباءَ وخُشَّنْباءَ والبيانُ عربىّ جيّد وهو اجودُ منه فى الضَّاد لبُعد المُخرَجين وأنّه ليس فيها إطباقٌ ولا ما ذكرتُ لك فى الضاد 50 واعلم انّ جميع ما أدغمتَه وهو ساكنٌ يجوز لكَ فيه الإدْغام اذا كان متحرِّكا كما تفعل ذلك فى المِثْلين وحالُه فيما يَحسن ويَقبح فيه الإدْغامُ وما يكون فيه احسنَ وما يكون خَفِيّا وهو بزنته متحرِّكا قبل ان يُخْفَى كحال المثْلين واذا كانت هذه الحروفُ المتقارِبة فى [15] حرف واحد ولم يكن الحرفان منفصلين ازدادا ثِقَلا واعتلالا كما كان المِثْلان اذ لميكونا منفصلين اثقلَ لانّ الحرف لا يفارِقه ما يستثقلون فمن ذلك قولهم فى مُثْتَرِدٍ مُثَّرِدٌ لانَّهما متقارِبان مهموسان والبيانُ حسنٌ وبعضهم يقول مُثْتَرِدٌ وهى عربيّة جيّدة والقياسُ مُتَّرِدٌ لانّ اصل الإدْغام ان يُدغَم الاوَّل فى الاخِر 51 وقالوا فى مُفْتَعِلٍ من صَبَرْتُ مُصْطَبِرٌ ارادوا التخفيف حين تَقاربا ولم يكن بينهما الاّ ما ذكرتُ لك يعنى قُرب [20] الحرف وصارا فى حرف واحد ولم يجز إدخالُ الصاد فيها لما ذكرْنا من المنفصلين فابدلوا مكانها اشبهَ الحروف بالصاد وهى الطاء ليَستعملوا ألسنتَهم فى ضرب واحد من الحروف وليكون عَمَلُهم من وجه واحد اذ لم يصلوا الى الإدْغام وأراد بعضُهم الإدْغام حيث اجتمعتِ الصادُ والطاء فلمّا امتَنعتِ الصادُ ان تَدخل فى الطاء قلبوا الطاء (Page 472) صادا فقالوا مُصَّبِرٌ وحدّثنا هارونُ انّ بعضهم قرأ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِما أنْ يَصَّلِحَا بَيْنَهُما صُلحاً 52 والزاىُ تُبدَل لها مكانَ التاء دالا وذلك قولهم مُزْدان فى مُزْتان لانّه ليس شىء اشبهُ بالزاى من موضعها من الدال وهى مجهورة مثلُها وليست مُطبَقة كما انّها ليست مُطبَقة ومن قال مُصَّبِرٌ قال مُزَّان وتقول فى مُسْتَمِعٌ مُسَّمِعٌ فتُدغِم [5] لانّهما مهموسان ولا سبيل الى أن تُدغِم السين فى التاء فإن أدغمتَ قلت مُسَّمعٌ كما قلت مُصَّبِرٌ حيث لم يجز إدخالُ الصاد فى الطاء وقال ناس كثير مُثَّرِدٌ فى مُثْتَرِدٌ اذ كانا من حَيِّزٍ واحد وفى حرف واحد وقالوا فى اِضْطَجَرَ اضَّجَرَ كقولهم مُصَّبِرٌ وكذلك الظاءُ لانّهما اذا كانا منفصلين يعنى الظاء وبعدها التاءُ جاز البيان ويُترك الإطباقُ على حاله إن أدغمتَ فلمّا صارا فى حرف واحد ازدادَا ثِقَلا اذ كانا يُستثقَلان منفصلين [10] فالزموها ما الزموا الصادَ والتاءَ فابدلوا مكانها اشبهَ الحروف بالظاء وهى الطاء ليكون العَمَلُ من وجه واحد كما قالوا قاعِدٌ ومَغَالِقُ فلم يميلوا الالف وكان ذلك اخفَّ عليهم وليكون الإدْغامُ فى حرف مِثْلِه اذ لم يجز البيان والإطباق حيث كانا فى حرف واحد فكانّهم كرهوا أن يُجْحِفوا به حيث مُنع هذا وذلك قولهم مُضْطَعِنٌ ومُضْطلم وان شئت قلت مُطَّعِنٌ ومُطَّلِم كما قال زُهَيْرٌ [ بسيط ]

[15] ويُظْلَمُ أَحْياناً فَيَطَّلِمُ

وكما قالوا يَطَّنُّ ويَظْطَنُّ من الظِّنَّة 53 ومن قال مُتَّرِدٌ ومُصَّبِرٌ قال مُظَّعِنٌ ومُظَّلِمٌ واقيسُهما مُطَّعِنٌ ومُطَّلِمٌ لانّ الاصل فى الإدْغامَ ان يَتبع الاوّلُ الاخِر الا ترى انّك لو قلت فى المنفصلين بالإدْغام نحو ذُهِبَ به وبُيّنَ لَهُ فاسكنتَ الاخِر لم يكن إدْغامٌ حتّى تسكِّن الاوَّل فلما كان كذلك جعلوا الأخِر يَتبعه الاوَّلُ ولم يجعلوا الاصل ان يَنقلب الاخرُ فتجعلَه من موضع الاوَّل [20] 54 وكذلك تُبدِل للذال من مكان التاء اشبهَ الحروف بها لانّهما اذا كانا فى حرف واحد لزم ألاّ يُبيَّنا اذ كانا يُدغَمان منفصلين فكرهوا هذا الإجحاف وليكون الإدْغام فى حرفٍ مِثْلِه فى الجهر وذلك قولك مُدّكِرٌ كقولك مُطَّلِمٌ ومن قال مُظَّعِنٌ قال مُذَّكِر وقد سمعناهم يقولون ذلك والأُخرى فى القرآن فى قوله فَهَلْ مِنْ مُدَّكرٍ وانما منعهم من ان يقولوا مُذْدَكِرٌ كما قالوا مُزْدان أنّ كلّ واحد منهما يُدغَم فى صاحبه فى الانفصال فلم يجز فى الحرف الواحد الاَّ الإدْغام والزاى لا تُدغَم (Page 473) فيها على حال فلم يشبَّهوها بها 55 والضادُ فى ذلك بمنزلة الصاد لما ذكرتُ لك من استطالتها كالشين وذلك قولك مُضْطَجِع وان شئت قلت مُضّجِعٌ وقد قال بعضُهم مُطَّجِعٌ حيث كانت مُطبَقة ولم تكن فى السمع كالضاد وقُربت منها وصارت فى كلمة واحدة فلمّا اجتَمعتْ هذه الأشياءُ وكان وقوعُها معها فى الكلمة الواحدة اكثرَ من [5] وقوعها معها فى الانفصال اعتقدوا ذلك وأدغموها وصارت كلام المعرفةِ حيث الزموها الإدْغامَ فيما لا تُدغَم فيه فى الانفصال الاّ ضعيفا ولا يُدغِمونها فى الطاء فى الانفصال لانّها لم تَكثر معها فى الكلمة الواحدة ككثرة لام المعرفة مع تلك الحروف واذا كانت الطاءُ معها يعنى مع التاء فهو اجدرُ ان تُقلَب التاء طاءً ولا تُدغِم الطاء فى التاء فتُخلَّ بالحرف لانّهما فى الانفصال اثقلُ من جميع ما ذكرْناه ولم يُدغِموها فى التاء لانّهم [10] لم يريدوا الاّ أن يَبقى الإِطباق اذ كان يَذهب فى الانفصال فكرهوا ان يُلزِموه ذلك فى حرف ليس من حروف الإطباق وذلك قولك اِطّعَنوا 56 وكذلك الدال وذلك قولك اِدَّانوا من الدَّيْن لانّه قد يجوز فيه البيانُ فى الانفصال على ما ذكرنا من الثِّقَل وهو بعد حرف مجهور فلما صار هاهنا لم يكن له سبيل الى أن يُفرَد من التاء كما يُفرَد فى الانفصال فيكون بعد الدال غيرُها كما كرهوا ان يكون بعد الطاء غيرُ الطاء من الحروف [15] فكرهوا ان يَذهب جهرُ الدال كما كرهوا ذلك فى الذال وقد شبّه بعضُ العرب ممّن تُرْضَى عربيّته هذه الحروفَ الاربعة الصاد والضاد والطاء والظاء فى فَعَلْتُ بهنّ فى اِفْتَعَلَ لانّه يُبْنَى الفِعْلُ على التاء ويغيَّر الفِعْلُ فتُسكِنُ اللامَ كما أُسكن الفاءُ فى اِفْتَعَلَ ولم تَترك الفِعْلَ على حالهِ فى الإظهار فضارعت عندهم اِفْتَعَلَ وذلك قولهم فحَصْطُ برجْلىِ وحِصْطُ عنه وخَبَطُّهُ وحَفِطُّهُ يريدون حِصْتُ عنه وخَبطْتُه وحفِظْتُه وسمعناهم [20] يُنشدون هذا البيت لعلقمة بن عَبَدة [ طويل ]

وفى كلّ حَىِّ قد خَبَطَّ بنِعمَةٍ * فحُقَّ لشَأشٍ مِنْ نَداكَ ذَنوبُ

57 واعربُ اللغتين واجودُهما ألاّ تَقلبها طاء لانّ هذه التاء علامةُ الإضمار وانما تجىء لمعنىً وليست تَلزم هذه التاءُ الفِعْلَ الا ترى انّك إذا اضمرتَ غائبا قلت فَعَلَ فلم (Page 474) تكن فيه تاء وليست فى الإظهار فانما تَصَرَّفُ فَعَلَ على هذه المعانى وليست تَثبت على حال واحدة وهى فى اِفْتَعَلَ لم تَدخل على انّها تَخرج منه لمعنىً ثم تعود لاخَرَ ولكنّه بناءٌ دخلتْه زيادة لا تفارِقه وتاءُ الإضمار بمنزلة المنفصل وقال بعضهم عُدُّهُ يريد عُدْتُه شبّهها بها فى اِدّانَ كما شَبَّهَ الصاد واخواتها بهنّ فى اِفْتَعَلَ وقالوا نَقَدُّهُ [5] يريدون نَقَدْتُه واعلم ان ترك البيان هنا اقوى منه فى المنفصلين لانّه مضارع يعنى ما يُبْنَى مع الكلمة فى نحو اِفْتَعَلَ فأن تقول اِحْفَظْ تِلك وخُذْ تِلك واِبْعَثْ تِلك فتبيِّنَ احسنُ من حَفِظْتُ وأخَذْتُ وبَعَثْتُ وإن كان هذا حسنا عربيّا وحدّثنا من لا نَتَّهم أنّه سمعهم يقولون أخَذْتُ فيبيّنون 58 فاذا كانت التاءُ متحرِّكة وهذه الحروفُ ساكنةً بعدها لم يكن إدْغام لان اصل الإدْغام أن يكون الاوَّل ساكنا لما ذكرتُ [10] لك من المنفصلين نحو بُيِّنَ لَهُمْ وذُهِبَ بِهِ فإن قلت ألا قالوا بُيَّنَّهُم فجعلوا الاخِر نونا فإنهم لو فعلوا ذلك صار الاخِرُ هو الساكن فلمّا كان الاوّل هو الساكن على كلّ حال كان الاخِر اقوى عليه وذلك قولك اُسْتُطْعِمَ واُسْتُضْعِفَ واِسْتَدْرَكَ واِسْتَثْبَتَ ولا ينبغى ان يكون الاّ كذا اذ كان المِثْلان لا إدْغام فيهما فى فَعَلْتُ وفَعَلْنَ نحو رَددتُّ ورَدَدْنَ لانّ اللام لا يصل اليها التحريكُ هنا فهذا يَتحرّك فى فَعَلَ ويَفْعَلُ ونحوِه وهو تضعيفٌ [15] لا يفارِق هذا اللفظ والتاءُ هنا بين ساكنين فى بناء لا يَتحرّك واحدٌ منهما فيه فى فِعْل ولا اسم ولا يفارِق هذا اللفظ 59 ودعاهم سكونُ الاخِر فى المِثْلين أن بَيَّنَ اهلُ الحجاز فى الجزم فقالوا اُرْدُدَ ولا تَرْدُدْ وهى اللغة العربيّة القديمة الجيّدة ولكنّ بنى تميم أدغموا ولم يشبّهوها بِرَدَدتُّ لانّه يُدرِكها التثنيةُ والنون الخفيفة والثقيلة والالف واللام والف الوصل فتُحرَّك لهنّ فاذا كان هذا فى المِثْلين لم يجزْ فى المتقارِبين الاّ البيان [20] نحو تِدْ ولا تتِدْ اذا نهيتَ فلهذا الذى ذكرتُ لك لم يجز فى اِسْتَفْعَلَ الإدْغام ولا يُدغِمونها فى اِسْتَدارَ واِسْتَطارَ وِاسْتَضاءَ كراهيةً لتحريك هذه السين التى لا تقع الاّ ساكنة ابداً ولا نَعلم لها موضعا تُحرَّك فيه ومع ذلك أنّ بعدها حرفا اصلُه السكون تَحّرَّك لعلّة أدركتْه فكانوا خُلَقاءَ أن لو لم يكن الاّ هذا لاَ يَحملوا على الحرف فى اصله اكثَر من هذا فقد اجتَمع فيه الأَمران 60 فامَّا اِخْتَصَمُوا واِقْتَتَلُوا فليستا كذلك (Page 475) لانّهما حرفان وقعا متحرِّكين والتحرُّك اصلُهما كما انّ التحريك الاصلُ فى مُمِدٍّ والساكنُ الذى قبله قد يَتحرّك فى هذا اللفظ كما تَحَرَّكُ فاءُ فَعَلْتُ نحو مَدَدتُّ لانّك قد تقول مُدَّ وقُلْ ونحو ذلك 61 وقالوا وَتَدَ يَتِدُ ووَطَدَ يَطِدُ فلا يُدغِمون كراهية أن يَلتبس بِباب مَدَدتُّ لانّ هذه التاءَ والطاء قد يكون فى موضعهما الحرفُ الذى هو مِثْل ما [5] بعده وذلك نحو وَدِدْتُ وبَلِلْتُ ومع هذا أنّك لو قلت وَدَّ لكان ينبغى ان تقول يَدُّ فى يَتِدُ فيخفَّف به فيَجتمعَ الحذف والإدْغام مع الالتباس ولم يكونوا ليُظهِروا الواو فتكون فيها كسرة وقبلها ياءٌ وقد حذفوها والكسرةُ بعدها. ومن ثَمَّ عَزَّ فى الكلام ان يجىء مثلَ رَدَدتُّ وموضع الفاء واو وامّا اِصَّبَرُوا واِظَّلَمُوا ويَخَصِّمُون ومُضَّجِعٌ وأشباهُ هذا فقد علموا انّ هذا البناء لا تُضاعَف فيه الصادُ والضاد والطاء والدال فهذه الأشياءُ [10] ليس فيها التباسٌ وقالوا مَحْتِدٌ فلم يُدغِموا لانّه قد يكون فى موضع التاء دالٌ وامّا المصدر فإنّهم يقولون فيه التِّدَةُ والطِّدَةُ وكرهوا وَطْداً ووَتْداً لما فيه من الاستثقال فإن قيل بُيّنَ كراهيةَ الالتباس وان شئت أبقيت َفى الطاء الإطباق وأدغمتَ لانّه اذا بقى الإطباق لم يكن التباسٌ من الاوّل وممّا يُدغَم اذا كان الحرفان من مُخرَج واحد واذا تَقاربَ المُخرَجان قولهم يَطَّوَّعُونَ فى يَتَطَوَّعُونَ ويَذَّكَّرُونَ فى يَتَذَكَّرُونَ ويسَّمَّعُونَ فى [15] يَتَسَمَّعُونَ والإدْغامُ فى هذا اقوى اذ كان يكون فى الانفصال والبيانُ فيهما عربىّ حسن لانّهما متحرِّكان كما حسُن ذلك فى يَخْتَصِمُونَ ويَهْتَدُونَ وتصديق الإدْغام قوله تعالى يَطَّيّرُوا بِمُوسَى ويَذَّكّرُونَ 62 فإن وقع حَرف مع ما هو من مُخرَجه او قريبٌ من مُخرَجه مبتدأً أُدغِم والحقوا الالف الخفيفة لانّهم لا يَستطيعون أن يَبتدئوا بساكن وذلك قولهم فى فَعَلَ من تَطَوَّعَ اِطَّوّعَ ومن تَذَكَّرَ اِذّكَّرَ دعاهم الى إدْغامه أنّهما فى حرف وقد [20] كان يقع الإدْغامُ فيهما فى الانفصال ودعاهم الى إلحاق الالف فى اِذَّكَّرُوا واِطَّوَّعُوا ما دعاهم الى إسقاطها حين حرّكوا الخاء فى خَطَّفَ والقافَ فى قَتَّلُوا فالالفُ هنا يعنى فى اِخْتَطَفَ لازمة ما لم يعتلَّ الحرفُ كما تَدخل ثَمّةَ اذا اعتَلّ الحرفُ وتصديقُ ذلك قوله عزّ وجلّ فادّارَأْتُمْ فِيهَا يريد فتَدَارَأْتُمْ وازَّيّنَتْ انما هى تَزَيّنَتْ وتقول فى المصدر اِزَّيُّناً وادّارُأً ومن ذلك قوله عزّ وجلّ اِطّيَّرْنا وينبغى على هذا ان تقول فى تَتَرّسَ [25] اِتّرّسَ فإن بيّنتَ فَحُسْنُ البيان كحُسْنه فيما قبله 63 فإن التَقتِ التاءان فى تَتَكَلَّمُونَ (Page 476) وتَتَتَرَّسُونَ فانت بالخيار ان شئت أثبتّهما وان شئت حذفتَ إحداهما وتصديقُ ذلك قوله عزّ وجلّ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ وتَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ وان شئت حذفتَ التاء الثانية وتصديقُ ذلك قوله تبارك وتعالى تَنَزَّلُ المَْلاَئِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا وقوله وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ وكانت الثانيةُ أَولى بالحذف لانّها هى التى تَسكن وتُدغَم فى قوله تعالى فَادَّارَأْتُمْ وَازّيّنَتْ [5] وهى التى يُفعَل بها ذلك فى يَذَّكَّرُونَ فكما اعتَلّت هنا كذلك تُحذَف هناك وهذه التاءُ لا تعتلّ فى تَدْأَلُ اذا حذفتَ الهمزة فقلت تَدَلُ ولا فى تَدَعُ لانّه يَفسدُ الحرفُ ويَلتبس لو حذفتَ واحدةٌ منهما ولا يسكِّنون هذه التاء فى تَتَكَلَّمُونَ ونحوِها ويُلحِقون الفَ الوصل لانّ الالف انما لحقت فاختُصّ بها ما كان فى معنى فَعَلَ واِفْعَلْ فى الامر فامَّا الأفعال المضارِعة لأسماء الفاعِلين فإنّها لا تَلحقها كما لا تَلحق أسماءَ الفاعِلين [10] فارادوا ان يخلِّصوه من فَعَلَ واِفْعَلْ وان شئت قلت فى تَتَذَكَّرُونَ ونحوِها تَذَكَّرُونَ كما قلت تَكَلَّمُونَ وهى قراءة اهل الكوفة فيما بَلَغنا ولا يجوز حذفُ واحدة منهما يعنى من التاء والذال فى تَذَكَّرُونَ لانّه حُذف منها حرف قبل ذلك وهو التاء وكرهوا ان يحذفوا اخَر لانّه كُره الالتباس وحذفُ حرف جاء لمعنى المخاطبة والتأنيث ولم تكن لتَحذف الذال وهى من نفس الحرف فتُفْسِدَ الحرف وتُخِلَّ به ولم يَروا ذلك مُحتمَلا [15] اذا كان البيان عربيّا وكذلك أنزلتَ التاء التى جاءت للإخبار عن مؤنَّث والمخاطبة وامّا الذِّكَرُ فإنّهم كانوا يَقلبونها فى مُدَّكِرٍ وشِبْهِه فقلبوها هنا وقلبُها شاذٌّ شبيهٌ

Ch. 569 هذا باب الحرف الذى يُضارَعُ به حرفٌ من موضعه والحرفِ الذى يُضارَعُ به ذلك الحرفُ وليس من موضعه فامَّا الذى يُضارَعُ به الحرف الذى من مُخرَجه فالصادُ [20] الساكنة اذا ك انت بعدها الذال وذلك نحو مَصْدَرٍ وأصْدَرَ والتصْدِير انهما قد صارتا فى كلمة واحدة كما صارت مع التاء فى كلمة واحدة فى اِفْتَعَلَ فلم تُدغَم فى التاء لحالها التى ذكرتُ لك ولم تُدغَم الذال فيها ولم تُبدَل ل انها ليست بمنزلة اِصْطَبَرَ وهى من نفس الحرف فلمّا ك انتا من نفس الحرف أُجريتا مجرى المضاعَف الذى هو من نفس الحرف من باب مَدَدتُّ فجعلوا الاوّل تابعا للاخر فضارعوا به اشبهَ الحروف بالدال من (Page 477) موضعه وهى الزاى لانها مجهورة غيُر مُطبَقة ولم يُبدِلوها زايا خالصة كراهيةَ الإجحاف بها للإطباق كما كرهوا ذلك فيما ذكرتُ لك من قَبْل هذا وسمعْنا العرب الفُصَحاء يجعلونها زاياً خالصة كما جعلوا الإطباق ذاهبا فى الإدْغام وذلك قولك فى التَّصدير التَّزْدير وفى الفَصْد الفَزْد وفى أصْدَرْتُ أزْدَرْتُ وانما دعاهم الى ان يقرّبوها ويُبدِلوها [5] أن يكون عَمَلُهم من وجهٍ واحد وليَستعمِلُوا ألسنتَهم فى ضرب واحد اذ لم يصلوا الى الإدغام ولم يَجسروا على إبدال الدال صادا لانّها ليست بزيادة كالتاء فى اِفْتَعَلَ والبيانُ عربى 64 فإن تَحرّكت الصادُ لم تُبدَل لانّه قد وقع بينهما شىء فامتُنع من الإبدال اذ كان يُترَك الإبدال وهى ساكنة ولكنّهم قد يضارِعون بها نحو صادِ صَدَقَتْ والبيانُ فيها أحسنُ وربَّما ضارعوا بها وهى بعيدة نحو مَصادِرَ والصِّراطِ لانّ الطاء كالدال [10] والمضارَعةُ هنا وإن بعُدتِ الدالُ بمنزلة قولهم صَوِيقٌ ومَصالِيقُ فابدلوا السين صادا كما ابدلوها حين لم يكن بينهما شىء فى صُقْتُ ونحوِه ولم تكن المضارعةُ هنا الوجهَ لانّك تُخِلُّ بالصاد لانّها مُطبَقة وانت فى صُقْتُ تضعفى موضع السين حرفا أَفشَى فى الفم منها للإطباق فلمّا كان البيانُ هاهنا احسنَ لم يجز البدل فإن كانت سينٌ فى موضع الصاد وكانت ساكنة لم يجز الاّ الإبدالُ اذا اردت التقريب وذلك قولك فى [15] التَّسْدِيرِ التَّزدِير وفى يَسدُلُ ثوبَه يَزْدُلُ ثوبَه لانّها من موضع الزاى وليست بمُطبَقة فيَبْقَى لها الِطباق والبيانُ فيها احسنُ لانّ المضارَعة فى الصاد اكثرُ واعرفُ منها فى السين والبيان فيهما اكثرُ أيضا 65 وامّا الحرف الذى ليس من موضعه فالشين لانّها استطالت حتّى خالطت أعلى الثَّنِيَّتينِ وهى فى الهمس والرَّخاوة كالصاد والسين وإذا أجريتَ فيها الصوت وجدتَّ ذلك بين طَرف لسانك وانفراجِ أعلى الثَّنِيَّتينِ [20] وذلك قولك أَشْدَقُ فتُضارَع بها الزاىُ والبيانُ اكثرُ واعرفُ وهذا عربىّ كثير والجِيمُ ايضا قد قُرّبت منها فجُعلت بمنزلة الشين من ذلك قولُهم فى الأجْدَر أشْدَرُ وانما حملهم على ذلك أنّها من موضع حرف قد قُرِّبَ من الزاى كما قلبوا النون ميما مع الباء اذ كانت الباءُ فى موضع حرفٍ تُقلَب النونُ معه ميما وذلك الحرفُ الميمُ يعنى اذا ادغمتَ النون فى الميم وقد قرّبوها منها فى اِفتَعَلُوا حين قالوا اِجْدَمَعوا اى اِجْتَمَعُوا [25] واِجْدَرَءُوا يريد اِجْتَرَءُوا لمّا قرّبها منها فى الدال وكان حرفا مجهورا قرّبها منها فى اِفْتَعَلَ (Page 478) لتُبدَل الدالُ مكانَ التاء وليكون العَمَلُ من وجه واحد ولا يجوز ان يجعلها زاياً خالصة ولا الشينَ لانّهما ليسا من مُخرَجها

Ch. 570 هذا باب ما تُقلَب فيه السينُ صادا فى بعض اللغات
تَقلبها القافُ اذا كانت بعدها فى كلمة واحدة وذلك نحو صُقْتُ وصَبَقْتُ وذلك أنّها من [5] أقصى اللسان فلم تَنحدر انحدارَ الكاف الى الفم وتَصَعَّدتْ الى ما فوقها من الحَنَك الأعلى والدليلُ على ذلك أنّك لو جافيتَ بين حَنَكَيْك فبالغتَ ثم قلت قَقْ قَقْ لم تَر ذلك مُخِلاًّ بالقاف ولو فعلتَه بالكاف وما بعدها من حروف اللسان أخلّ ذلك بهنّ فهذا يدلّك على انّ مُعْتَمَدها غلى الحَنَك الأعلى فلمّا كانت كذلك ابدلوا من موضع السين اشبهَ الحروف بالقاف ليكون العَمَلُ من وجه واحد وهى الصاد لانّ الصاد [10] تَصَعَّدُ الى الحَنَك الأعلى للإطباق فشبّهوا هذا بإبدالهم الطاءَ فى مُصْطَبِرٍ والدالَ فى مُزْذَجِرٍ ولم يُبالوا ما بين السين والقاف من الحواجز وذلك لأنها قلبتْها على بُعد المُخرَجين فكما لم يُبالوا بُعْدَ المُخرَجَين لم يُبالوا ما بينهما من الحروف اذ كانت تَقوى عليها والمُخرَجان متفاوِتان ومثل ذلك قولهم هذه حِلِبْلابٌ فلم يُبالوا ما بينهما وجعلوه بمنزلة عالِمٍ وانما فعلوا هذا لانّ الالف قد تُمال فى غير الكسر نحو صارَ [15] وطار وغزا وأشباهِ ذلك فكذلك القاف لمّا قويتْ على البُعد لم يُبالوا الحاجز 66 والخاء والغين بمنزلة القاف وهما من حروف الحَلْق بمنزلة القاف من حروف الفم وقُرْبُهما من الفم كقُرب القاف من الحَلْق وذلك نحو صالِغٍ فى سالغٍ وصَلَخَ فى سَلَخَ فاذا قلت زَقَا او زَلَقَ لم تغيّرها لانّها حرف مجهور ولا تَتصعّد كما تَصعّدتِ الصادُ من السين وهى مهموسة مِثْلُها فلم يَبلغوا هذا اذ كان الاعربُ الاكثرُ الاجودُ فى كلامهم تَرْكَ السين [20] على حالها وانما يقولها من العرب بنو العَنْبَر وقالوا صاطِعٌ فى ساطِعٍ لانّها فى التصعُّد مثل القاف وهى أولى بذا من القاف لقُرب المُخرَجين والإطباق 67 ولا يكون هذا فى التاء اذا قلت نَتَقَ ولا فى الثاء اذا قلت ثَقَبَ فتُخْرِجَها الى الظاء لانّها ليست كالظاء فى الجهر والفُشُوّ فى الفم والسيُن كالصاد فى الهمس والصَّفير والرَّخاوة فانما يَخرج الصوتُ الى مِثْله فى كلّ شىء إلاّ الإطباقَ فإن قيل هل يجوز فى ذَقَطَها ان تَجعل الذال ظاءً (Page 479) لانّهما مجهورتان ومِثْلان فى الرَّخاوة فإنّه لا يكون لانّها لا تَقرب من القاف واخواتِها قُرْبَ الصاد ولانّ القلب أيضا فى السين ليس بالاكثر لانّ السين قد ضارعوا بها حرفا من مُخرَجها وهو غير مقارِب لمُخْرَجها ولا حَيَّزِها وانما بينها وبين القاف مُخْرَجٌ واحد فلذلك قرّبوا من هذا المُخرَج ما يَتصعّد الى القاف وامّا التاء والثاء فليس يكون [5] فى موضعهما هذا ولا يكون فيهما مع هذا ما يكون فى السين من البَدَل قبل الدال فى التَّسْدِير اذا قلت التَّزْدِير الا ترى انّك لو قلت التَّثْدِير لم تَجعل الثاءَ ذالاً لانّ الظاء لا تقع هنا

Ch. 571 هذا باب ما كان شاذاً ممّا خفّفوا على ألسنتهم وليس بمطَّرِد فمن ذلك ستٌّ وانما أصلها سِدْسٌ وانما دعاهم الى ذلك حيث كانت ممّا كثُر استعماله فى كلامهم أنّ [10] السين مضاعَفة وليس بينهما حاجزٌ قوىٌّ والحاجزُ ايضا مُخرَجُه اقربُ المَخارج الى مُخرَج السين فكرهوا إدْغام الدال فيَزدادَ الحرفُ سينا فتَلتقى السيناتُ ولم تكن السينُ لتُدغَم فى الدال لما ذكرتُ لك فابدلوا مكان السين اشبهَ الحروف بها من موضع الدال لئلا يَصيروا الى أثقلَ ممّا فرّوا منه اذا أدغموا وذلك الحرفُ التاءُ كانّه قال سِدْتٌ ثم أدغم الدال فى التاء ولم يُبدِلوا الصاد لانّه ليس بينهما الاّ الإطباق ومثل [15] مجيئهم بالتاء قولُهم يِيجَلُ كسروا ليَقلبوا الواوَ ياءً وقولُهم أدلٍ لانّهم لو لم يَكسروا لم تَصِرْ ياءً كما انّهم لو لم يجيئوا بالتاء لم يكن إدْغامٌ 68 ومن ذلك قولهم وَدٌّ وانما اصلُه وَتِدٌ وهى الحجازيّة الجيّدة ولكنّ بنى تميم اسكنوا التاءَ كما قالوا فى فَخِذٍ فَخْذٌ فأدغموا ولم يكن هذا مطّرِدا لما ذكرتُ لك من الالتباس حتّى تَجشّموا وَطْداً ووَتْداً وكان الاجودُ عندهم تِدَةً وطِدَةً اذ كانوا يَتجشّمون البيان وممّا بيّنوا فيه قولُهم عِتْدَانٌ وقال [20] بعضهم عُتْدانٌ فرارا من هذا وقد قالوا عِدّانٌ شبّهوه بوَدٍّ وقلَّ ما تقع فى كلامهم ساكنة يعنى التاء فى كلمة قبل الدال لما فيه من الثِّقَل فانما يَفرّون بها الى موضع تَتحَرّك فيه فهذا شاذّ مشبَّه بما ليس مِثْلَه نحو يَهْتَدِى ويَقْتَدِى 69 ومن الشاذّ قولُهم أحَسْتُ ومَسْتُ وظَلْتُ لمّا كثُر فى كلامهم كرهوا التضعيف وكرهوا تحريك هذا الحرف الذى لا تصل إليه الحركةُ فى فَعَلْتُ وفَعَلْنَ الذى هو غيرُ مضاعَف فحذفوا كما (Page 480) حذفوا التاءَ من قولهم يَسْتَطِيعُ فقالوا يِسْطِيعُ حيث كثُرت كراهيةَ تحريك السين وكان هذا أحْرَى اذ كان زائدا استثقلوا فى يَسْطِيعُ التاءَ مع الطاء وكرهوا ان يُدغِموا التاءَ فى الطاء فتُحرَّك السينُ وهى لا تُحرَّك ابدا فحذفوا التاء ومن قال يُسطِيعُ فانما زاد السينَ على أطاعَ يُطِيعُ وجعلها عِوَضا من سكون موضع العين 70 ومن الشاذّ [5] قولُهم تَقَيْتُ وهو يَتَقِى ويَتَسع لمّا كانتا ممّا كثُر فى كلامهم وكانتا تاءين حذفوا كما حذفوا العين من المضاعَف نحو أَحَسْتُ ومَسْتُ وكانوا على هذا أجرأَ لانّه موضعُ حذفٍ وبدلٍ والمحذوفةُ التى هى مكانَ الفاء الا ترى انّ التى تَبقى متحرِّكةٌ 71 وقال بعضهم اِسْتَخَذَ فلانٌ أرْضاً يريد اِتَّخذَ أرضاً كانّهم ابدلوا السين مكان التاء فى اِتَّخذَ كما ابدلوا حيث كثُرتْ فى كلامهم وكانتا تاءين فابدلوا السين مكانها كما أُبدلت التاءُ [10] مكانها فى سِتٍّ وانما فُعل هذا كراهيةَ التضعيف ومثل ذلك قول بعض العرب اِلْطَجَعَ فى اِضْطجَعَ أبدل اللامَ مكان الضاد كراهيةَ التقاء المُطبَقين فأبدل مكانَها اقربَ الحروف منها فى المُخرَج والانحراف وقد بُيّن ذلك وكذلك السينُ لم تَجد حرفا اقربَ الى التاء فى المُخرَج والهمس حيث ارادوا التخفيف منها وانما فعلوا هذا لانّ التضعيف مُستثقَل فى كلامهم وفيها قولٌ اخَر أن يكون اِسْتَفْعَلَ فحَذَفَ التاءَ [15] للتضعيف من اِسْتَتْخَذَ كما حذفوا لام ظَلْتُ وقال بعضهم فى يَسْتَطِيعُ يَسْتِيعُ فإن شئتَ قلت حَذَفَ الطاءَ كما حَذَفَ لامَ ظَلْتُ وتركوا الزيادة كما تركوها فى تَقَيْتُ وإن شئت قلت ابدلوا التاءَ مكان الطاء ليكون ما بعد السين مهموسا مِثْلَها كماقالوا اِزْدانَ ليكون ما بعده مجهورا فابدلوا من موضعها اشبهَ الحروف بالسين فابدلوها مكانَها كما تُبدَل هى مكانَها فى الإطباق 72 ومن الشاذّ قولُهم فى بَنِى العَنْبَر وبَنِى الحارِثِ [20] بَلْعَنْبَرِ وبَلْحارِثِ بِحَذْف النون وكذلك يفعلون بكلّ قبيلة تَظهر فيها لامُ المعرفة فامّا اذا لم تَظهر اللامُ فيها فلا يكون ذلك لانّها لمّا كانت ممّا كثُر فى كلامهم وكانت اللامُ والنونُ قريبتَىِ المخَارج حذفوها و شبّهوها بِمَسْتُ لانّهما حرفان متقارِبان ولم يصلوا الى (Page 481) الإدْغام كما لم يصلوا فى مَسِسْتُ لسكون اللام وهذا ابعدُ لانّه اجتَمع فيه أنّه منفصل وأنّه ساكن لا يتصرّف تصرُّفَ الفِعْل حين تُدرِكه الحركةْ ومثل هذا قول بعضهم عَلْماءِ بَنُو فُلانٍ فحَذَفَ اللام يريد على الماءِ بَنُو فُلانٍ وهى عربيّة